
محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
أيقونة البداية | من ثلاثين عامًا… كان الإنسان هو البداية
لأكثر من ثلاثة عقود، عشتُ المؤسسة من داخلها؛ لا بوصفها هيكلًا إداريًا فحسب، وإنما بوصفها كائنًا حيًا يتنفس بالناس، وينمو بالعلاقات، ويكبر بالثقة قبل اللوائح. قدتُ مؤسسات ومشروعات، وتحملت مسؤولية مشروعات استراتيجية امتدت إلى بيئات مختلفة في آسيا وإفريقيا، وعبرت خلال تلك الرحلة مساحات واسعة من القرار، والموارد، والتحديات، والشراكات، والإنجاز. لكن ما بقي في الذاكرة لم يكن عدد المشروعات، ولا حجم القرارات، ولا قيمة الميزانيات. كان الإنسان. ذلك الإنسان الذي جلس معنا في لحظة قرار، وشاركنا قلق مشروع، وفرح إنجاز، وسافر معنا في مهمة، أو اتصل في ساعة لم يكن فيها للاتصال علاقة بالعمل. هناك، في تلك المساحة التي لا تكتبها التقارير، بدأت أفهم أن العلاقات الإنسانية ليست هامشًا في المؤسسة؛ إنها أحد أعمق أصولها غير المرئية.
أيقونة الود | كانت العلاقة أقوى من القرار
في المؤسسات التي عشتها، لم تكن العلاقات تبدأ من القرار وتنتهي عنده. كان الود يسبق الوداع. وكانت الثقة تسبق التفويض. وكان الإنسان يُرى قبل أن يُرى منصبه. وحين تتقارب القلوب، تصبح الاجتماعات أقل رسمية، والمشروعات أكثر احتمالًا، والأزمات أقل قسوة؛ لأن الإنسان لا يعمل وحده، وإنما يعمل وهو يشعر أن خلف القرار إنسانًا يفهمه، وخلف المؤسسة قلوبًا تعرف قيمته. أقوى العلاقات المؤسسية ليست تلك التي يصنعها المنصب، وإنما تلك التي يستطيع الإنسان الاحتفاظ بها بعد المنصب.
أيقونة القرار المالي | حين تختبر السلطة علاقتها بالإنسان
ولأن القرار المالي من أكثر مراكز القرار حساسية وتأثيرًا، فإنه يكشف جانبًا بالغ الدقة من طبيعة العلاقات داخل المؤسسات. فمن يملك قرارًا ماليًا، أو يؤثر في تخصيص الموارد، أو يفتح باب مشروع، أو يشارك في تحديد الأولويات، غالبًا ما يصبح في قلب شبكة واسعة من العلاقات. وهذا أمر مفهوم في ذاته. لكن السؤال الأكثر عمقًا ليس: كم شخصًا اقترب منك وأنت تملك القرار؟ بل: كم شخصًا بقي قريبًا منك عندما لم يعد قرارك مؤثرًا في حياته؟ هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
أيقونة ما بعد المنصب | اللحظة التي لا يكتبها الوصف الوظيفي
عندما يغادر القائد منصبه، لا يحدث الانقطاع فجأة. لا تختفي الأسماء. ولا تنقطع كل الاتصالات. ولا يصبح الجميع غرباء. الأمر أكثر هدوءًا من ذلك… وأكثر إيلامًا. تقل المكالمات. تتباعد اللقاءات. تختصر الرسائل. تتغير نبرة السؤال. ويصبح الإنسان الذي كان محورًا في المشهد، مجرد اسم في ذاكرة المؤسسة. وهنا لا أقول إن العلاقات الإنسانية تنعدم؛ فهذا تبسيط لا يليق بتعقيد الإنسان. لكنها أحيانًا تجف. والجفاف أخطر من الانقطاع؛ لأن العلاقة قد تبقى في الشكل، بينما يفقدها الدفء في الجوهر.
أيقونة السؤال الصعب | هل أحببنا الإنسان… أم سلطته؟
حين كان الإنسان صاحب قرار، كان حوله الكثيرون. وحين غادر القرار، بقي القليل. فهل كان الحب للإنسان؟ أم للموقع؟ هل كانت الصداقة إنسانية؟ أم كانت للمصلحة منفذًا ناعمًا؟ وهل كانت المجاملة تقديرًا للشخص؟ أم تقديرًا لما يستطيع أن يمنحه؟ لا ينبغي أن نتعجل الإجابة. فالإنسان معقد، والمؤسسات أكثر تعقيدًا، وكثير من العلاقات قد تكون صادقة في لحظة، ثم تضعف لاحقًا بسبب تغير الظروف والأدوار والأولويات. لكن السؤال يظل ضروريًا؛ لأنه يكشف لنا شيئًا أعمق من العلاقة نفسها: يكشف الثقافة التي صنعتها المؤسسة.
أيقونة المؤسسة الناضجة | الإنسان قبل الوظيفة
المؤسسة الناضجة لا تسأل الإنسان فقط: ماذا أنجزت؟ بل تسأله أيضًا: ماذا أضفت؟ ومن بقي بسببك؟ ومن شعر داخل هذه المؤسسة أنه إنسان قبل أن يكون موظفًا؟ المؤسسة التي تنظر إلى الإنسان باعتباره رقمًا في الهيكل التنظيمي، ستفقده غالبًا بمجرد أن يغادر موقعه. أما المؤسسة التي تنظر إليه باعتباره قيمة إنسانية وشريكًا في صناعة الأثر، فإن علاقتها به لا تنتهي بختم آخر يوم عمل.
أيقونة رأس المال الخفي | الأصل الذي لا يظهر في الميزانية
اعتدنا أن نقيس المؤسسات بالأصول، والموارد، والميزانيات، والمؤشرات، والأنظمة. لكن هناك أصلًا آخر لا يظهر في الميزانية العمومية: رأس المال الإنساني الممتد. إنه الثقة. والوفاء. والاحترام. والعلاقات التي تستمر رغم تغير المواقع. والقدرة على أن يظل الإنسان مستعدًا لخدمة المؤسسة، أو نصحها، أو الدفاع عن قيمها، حتى بعد ألا يعود له فيها منصب أو مصلحة مباشرة. هذا الأصل لا يُشترى. ولا يُدرج في تقرير مالي. ولا يمكن أن يصنعه قرار إداري. إنه يتكون ببطء عبر سنوات طويلة، ويمكن أن تفقده المؤسسة في لحظة إذا جعلت الإنسان يشعر أن قيمته كانت مرتبطة فقط بالمقعد الذي جلس عليه.
أيقونة القيادة الأثرية | القائد الذي يبقى بعد أن يرحل
القائد لا يُقاس فقط بما أنجزه وهو في موقعه. بل بما بقي منه بعد رحيله. هل بقيت القيم؟ هل بقيت الثقة؟ هل بقي الاحترام؟ هل بقيت العلاقات الإنسانية؟ هل يستطيع موظف سابق أن يلتقي بقائده بعد سنوات، فيشعر أنه يلتقي بالإنسان نفسه، لا بمنصب سابق؟ إذا حدث ذلك، فقد نجحت القيادة في بناء شيء أعمق من الإدارة. لقد بنت أثرًا. ولهذا فإن القيادة الأثرية لا تقيس نجاحها بعدد القرارات التي مرّت عبر مكتبها، وإنما بما تركته في الناس من طمأنينة، وثقة، وقدرة على صناعة الخير.
أيقونة العدالة | حين يصبح القرار أكثر إنسانية
ولا تعني العلاقات الإنسانية أن تُدار المؤسسات بالعاطفة. بل العكس. المؤسسة الإنسانية هي المؤسسة التي تجمع بين العدالة والرحمة، وبين الحوكمة والإنسان، وبين الانضباط والاحترام. فالقرار المالي يجب أن يكون مهنيًا. والتخصيص يجب أن يكون عادلًا. والمساءلة يجب أن تكون واضحة. لكن كل ذلك يمكن أن يحدث دون أن يتحول الإنسان إلى رقم. فالمؤسسية الحقيقية لا تقتل الإنسانية، والإنسانية الحقيقية لا تهدم المؤسسية. بل إن أعظم المؤسسات هي التي تعرف كيف تجعل النظام يحمي الإنسان، والإنسان يحمي النظام.
أيقونة الثقافة | لا تبنوا علاقات المنصب
المشكلة إذن ليست في الأشخاص وحدهم. إنها في الثقافة. إذا كانت المؤسسة تكافئ القرب من صاحب القرار أكثر مما تكافئ القيمة، فسوف تنشأ علاقات مرتبطة بمركز القوة. وإذا كانت المؤسسة تجعل التواصل الإنساني جزءًا من ثقافتها، فإن العلاقات تصبح أكثر استدامة من الأشخاص والمناصب. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نحافظ على العلاقات؟ بل: كيف نبني ثقافة لا تجعل العلاقات رهينة بالمصلحة؟ وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
أيقونة الاختبار | اليوم الذي لا تحتاج فيه منك شيئًا
قد تكون أعظم لحظة تكشف فيها المؤسسة عن إنسانيتها هي اليوم الذي لا تحتاج فيه منك شيئًا. حين لا تملك توقيعًا. ولا ميزانية. ولا توصية. ولا قدرة على فتح باب أو إغلاقه. ثم يأتيك شخص كان يعمل معك، لا ليطلب شيئًا، وإنما ليقول: كيف حالك؟ لا يريد شيئًا. ولا ينتظر شيئًا. في تلك اللحظة تحديدًا، تعرف أن العلاقة كانت مع الإنسان.
أيقونة الاستدامة | أن يبقى الود بعد أن يغادر القرار
الاستدامة المؤسسية ليست فقط أن يستمر المشروع بعد رحيل صاحبه. وليست فقط أن تستمر اللوائح بعد تغير القيادة. هناك استدامة أعمق: أن تستمر القيم. أن تستمر الثقة. أن يستمر الاحترام. أن يأتي قائد جديد فلا يشعر السابق أنه أصبح من الماضي. وأن يغادر موظف فلا يشعر أنه أصبح غير مرئي. وأن تتغير مواقع الناس دون أن تتغير كرامتهم. فالمؤسسة التي تحفظ للإنسان مكانته بعد خروجه من السلطة، تكون قد فهمت جوهر الاستدامة.
أيقونة الدرس العالمي | المؤسسة التي تحفظ الإنسان
بعد أكثر من ثلاثة عقود في العمل المؤسسي، وفي بيئات ومشروعات امتدت عبر آسيا وإفريقيا، أصبح لدي يقين واحد: المؤسسة لا تُختبر فقط عندما تكون قوية؛ بل تُختبر عندما يتغير ميزان القوة. وعندما يغادر صاحب القرار، تبدأ الأسئلة التي لا تستطيع اللوائح الإجابة عنها: من سيبقى؟ من سيسأل؟ من سيتذكر؟ من سيحفظ الود؟ ومن سيؤمن أن الإنسان لم يكن يومًا مجرد منصب عابر؟ إن المؤسسات العظيمة ليست تلك التي تصنع القادة فقط. بل تلك التي تحفظ إنسانيتهم عندما لا يعودون قادة.
أيقونة الخاتمة | حين يغادر القرار… ويبقى الإنسان
ربما لا نحتاج في مؤسساتنا إلى مزيد من الحديث عن العلاقات الإنسانية، بقدر حاجتنا إلى إعادة تعريفها. فالإنسانية ليست ابتسامة في اجتماع. وليست دعوة عابرة. وليست مجاملة لصاحب منصب. الإنسانية المؤسسية الحقيقية هي أن ترى الإنسان كاملًا؛ قبل السلطة، وأثناءها، وبعدها. أن تعرف أن المنصب عابر. والقرار عابر. والميزانية عابرة. والمشروع عابر. أما الأثر الذي تركته في إنسان، فقد يبقى عمرًا كاملًا. لهذا، عندما يغادر القرار، لا ينبغي أن يغادر معه الود. وعندما يسقط المنصب، لا ينبغي أن تسقط قيمة صاحبه. وعندما تتغير موازين القوة، يجب أن يبقى شيء واحد ثابتًا: الإنسان. ففي النهاية، لم تكن أعظم ثروة في المؤسسة ما مرّ عبر أيدينا من أموال ومشروعات وقرارات… وإنما ما مرّ عبر قلوبنا من بشر، وما تركناه فيهم من أثر. والمؤسسة التي تفهم هذه الحقيقة لا تخشى رحيل القادة؛ لأنها لم تكن تبني حولهم دوائر مصلحة… بل كانت تبني حول الإنسان دوائر أثر.