مائدة تمشي على قدمي المحبة

محمد تهامي

محمد تهامي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

حين يعجز القلب عن الاكتفاء بالدعوة، تحمل اليدان رسالة الوفاء

ثمة كرمٌ يستقبلك عند أبواب البيوت، وكرمٌ آخر يتجاوز الأبواب والمسافات والمواعيد، ثم يأتيك حتى المكان الذي تقيم فيه، كأنه يخشى أن تحول مشاغل الحياة بين قلبين جمعتهما المحبة. وثمة أناس إذا أرادوا إكرامك، قالوا: تفضل إلينا؛ أما إذا استقر حبك في قلوبهم، فإنهم يقولون بأفعالهم: إن لم تستطع الوصول إلى مائدتنا، حملناها إليك. وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى، لا باعتبارها قصة طعام، بل باعتبارها درسًا في أخلاق المودة، وفلسفة العطاء، وجمال النفوس التي لا تكتفي بأن تعبر عن المحبة بالكلمات، بل تبحث لها عن صورة تمشي على الأرض. إنها حكاية العزيز السيد منيسي، أبي محمود، الذي جعل من حقيبة طعام رسالةً كاملة في الوفاء، ومن زيارة عابرة موقفًا يظل حاضرًا في الذاكرة طويلًا بعد أن تختفي الأطباق.

دعوةٌ لم تنتهِ بالاعتذار

في يوم الخميس، الموافق 23 أكتوبر 2026، جاءني اتصال العزيز أبي محمود، وكان برفقته صديقان كريمان، وقد دعاني إلى مشاركتهما الغداء. كان في صوته ترحيب، وفي دعوته مودة، وفي إصراره ذلك النوع من الكرم الذي لا يريد للضيف أن يشعر بأنه مدعو إلى طعام فحسب، بل إلى صحبة طيبة ولقاء يجمع الأحبة. اعتذرت إليه؛ فقد كان لديّ ضيف حلّ عليّ، وكان يقضي مصلحة، ولم أشأ أن أتركه أو أخلّ بترتيبات يومي، ولا سيما أن الخميس يوم صيام نافلة، وأن الوقت يقترب من المغرب. لكن أبا محمود ألحّ، لا إلحاحًا يثقل على النفس، بل إلحاح المحب الذي يفرح بحضور من يحب، ويرى في اجتماع الأحبة نعمةً تستحق أن يبذل من أجلها. اعتذرت مرة أخرى، وانتهى الاتصال في ظاهره. غير أن بعض المكالمات لا تنتهي حين ينتهي الكلام؛ إذ تظل المحبة بعدها تبحث عن طريقة أخرى لتقول ما لم تستطع الكلمات أن تحققه. وقد خطر لي يومها معنى يستحق التأمل: ” هناك من يعدّ الاعتذار نهاية الدعوة، وهناك من يعدّه بداية البحث عن باب آخر يصل منه الخير إلى صاحبه”. وكان أبو محمود من الصنف الثاني.

حين طرق الكرم الباب

نزلت مع ضيفي لأداء صلاة المغرب، وعدنا بعد الصلاة، فإذا بالمشهد الذي لم يكن في الحسبان ينتظرني عند باب مقر الإقامة. أبو محمود بنفسه! ومعه ضيفاه الكريمان! وفي يده حقيبة تحمل سرّ الزيارة. وقفت أمام المشهد بشيء من الدهشة؛ فالرجل الذي دعاني إلى مائدته، ولم أتمكن من تلبية دعوته، جاء بمائدته إليّ. يا لهذا المعنى! لم يسمح للاعتذار بأن يكون حاجزًا، ولم يجعل المسافة ذريعةً لتأجيل المودة، ولم يقل إن الدعوة قد أُديت وإن الأمر انتهى. لقد اختار أن يأتي. أن يحمل. أن يبادر. أن يجعل من حضوره جوابًا عن كل اعتذار. وفي تلك اللحظة أدركت أن بعض الناس لا يزورونك لأن لديهم وقتًا فائضًا، بل لأنك تملك مكانًا في وقتهم وقلبهم. ولعل أصدق ما يمكن أن يقال في مثل هذا الموقف: “ليس الكريم من يفتح لك باب بيته فحسب، بل من يفتح لك بابًا جديدًا كلما أغلقت الظروف باب اللقاء”.

دخلنا، وجلسنا جلسة رقيقة، تبادلنا فيها الأحاديث الطيبة، وسادت بيننا ألفة جعلت اللحظة تبدو أوسع من المكان، وأدفأ من مجرد لقاء عابر. وأصرّ أبو محمود ورفيقاه على أن أتناول الطعام مع ضيفي، لكن ضيفي كان قد تناول طعامه أثناء قضائه مصلحته. أما أنا، فكنت أفضل أن يكون الإفطار متأخرًا بعد صلاة العشاء، غير أن إصرارهم الودود كان يحمل معنى أعمق من توقيت الوجبة؛ كانوا يريدون أن أشاركهم ما أعدوه، وأن تكتمل سعادتهم بحضوري. ولأن المحبة الصادقة لا تُقابل بالتعقيد، ولأن بعض الرغبات الجميلة تستحق أن نمنحها مساحةً من التقدير، استجبت لهم وفتحت الحقيبة. وهنا بدأت الحكاية الثانية.

حقيبةٌ تخفي وراءها مائدةً كاملة

فتحت الحقيبة، فإذا بي أمام مائدة اختُصرت في مساحة صغيرة، لكنها حملت من الكرم ما اتسع له القلب. لحم مشوي، تتجاور فيه قطع الكباب والتكة والريش، وإلى جوارها الأرز الأصفر، وفي طبق آخر حمام محشو، ثم الملوخية، والطحينة، والخبز. لم تكن الأصناف مجرد أطعمة متجاورة؛ كان لكل طبق حضوره، ولكل تفصيل جماله، ولكل جزء من المائدة دور في اكتمال المشهد. كان اللحم المشوي عنوانًا للضيافة، والأرز الأصفر رفيقًا للمائدة، والحمام المحشو لمسةً من العناية، والملوخية بطابعها الأصيل تضيف دفء البيوت، فيما جاءت الطحينة والخبز لتكتمل الحكاية.

لكن السؤال الذي استوقفني لم يكن: ما الذي تحتويه الحقيبة؟ بل كان: ما الذي يجعل إنسانًا يبذل كل هذا الجهد من أجل إسعاد إنسان آخر؟ فالأصناف يمكن شراؤها، والأطباق يمكن إعدادها، والطعام يمكن نقله من مكان إلى مكان؛ لكن الذي لا يمكن شراؤه هو تلك الرغبة الصادقة في أن يكون الآخر سعيدًا، وذلك الاستعداد لبذل الوقت والجهد دون أن ينتظر صاحبه مقابلًا. هنا يتجاوز الطعام وظيفته، ويصبح لغة. وتتجاوز الحقيبة حجمها، وتصبح رسالة. ويتجاوز اللقاء وقته، ويصبح ذكرى. “قيمة الهدية ليست فيما تحمله اليد، بل في المسافة التي قطعتها المحبة حتى تصل إلى القلب”. ولعل هذا هو سرّ بعض المواقف التي تبقى معنا طويلًا؛ إذ لا نتذكرها لأننا تناولنا طعامًا مميزًا فحسب، بل لأن أحدًا جعلنا نشعر بأننا نستحق أن يبذل من أجلنا جهدًا، وأن راحتنا تعنيه، وأن الاعتذار لم ينتقص من محبته لنا.

حين تصبح المائدة مرآةً للأخلاق

تأملت المشهد، ووجدتني أفكر في الفرق بين الكرم بوصفه سلوكًا اجتماعيًا، والكرم بوصفه قيمة إنسانية. فقد يقدم الإنسان الطعام لأنه اعتاد الضيافة، أو لأن المناسبة تقتضي ذلك، أو لأن العرف الاجتماعي ينتظر منه أن يفعل. أما أن يحمل الإنسان الطعام إلى من اعتذر عن الحضور، فذلك يضيف إلى الضيافة معنى آخر؛ إنه ينقل مركز الاهتمام من المائدة إلى الإنسان. لم يعد السؤال: كيف نستقبل الضيف؟ بل أصبح: كيف نصل إلى من نحب، حتى عندما يتعذر عليه الوصول إلينا؟ وهنا تتجلى روعة أبي محمود؛ فهو لم يكتفِ بأن يكون مضيفًا كريمًا، بل أصبح صاحب مبادرة إنسانية، اختار فيها أن يتجاوز المألوف ليصنع موقفًا غير مألوف.

وقد نتناول في حياتنا موائد كثيرة، وربما أكثر تنوعًا وفخامة، لكن بعض الموائد تتقدم على غيرها في الذاكرة؛ لأن وراءها قصة لا تتكرر بسهولة. قد تنسى اليد ما حملت، وقد تنسى العين ما رأت، لكن القلب يحتفظ طويلًا بما شعر به حين أدرك أن أحدًا فكّر فيه دون أن يطلب”. وهذا ما حدث معي. لم أكن أحتاج إلى الطعام بقدر ما كنت محتاجًا إلى تقدير المعنى الذي جاء معه؛ معنى المبادرة، وصدق الأخوة، والحرص على ألا تحول الظروف الصغيرة دون لقاء الأحبة. إن الكرم الذي يستحق الاحتفاء ليس ذلك الذي يلفت الأنظار إلى صاحبه، بل الذي يصرف الأنظار عن نفسه ليجعل الآخرين يشعرون بقيمتهم. وهكذا كانت هذه المائدة: لم تقل لنا انظروا إلى ما أحضره أبو محمود، بل قالت انظروا إلى ما تستطيع المحبة أن تفعله حين تكون صادقة.

هديةٌ أخرى من قلب البيت

ولم تنتهِ المفاجآت عند حدود المائدة. فقد قدّم أبو محمود هديةً أخرى، وقال إنها من الغالية أم مريم. كانت لفتةً رقيقة أضافت إلى اللقاء معنى جديدًا؛ فبعد أن جاءت المائدة محمّلة بمودة أبي محمود، جاءت الهدية لتكشف أن وراء هذا الكرم قلبًا آخر يشارك فيه، وأن البيوت الطيبة تتعاون على صناعة الفرح، كما تتعاون على صناعة الخير. وهنا لا بد من وقفة وفاء للغالية أم مريم؛ فالهدايا الجميلة لا تحمل قيمتها في مادتها فقط، بل فيمن تذكرنا بها، وفي الطريقة التي اختارت بها أن تعبر عن مودتها. لا ولأن لكل هدية حكايتها، ولأن بعض اللفتات تستحق أن تُمنح مساحتها الخاصة من الامتنان، فسيكون للغالية أم مريم حديث مستقل، ونبض قلب منفصل، يليق بطيب مبادرتها وجمال معناها.

شكرًا يا أبا محمود

أخي العزيز أبا محمود، شكرًا لأنك لم تجعل اعتذاري نهاية الدعوة، بل جعلته بدايةً لموقف أجمل. شكرًا لأنك لم تحمل الطعام وحده، بل حملت معه تقديرك وودّك وحرصك على اللقاء. شكرًا لأنك منحتني درسًا في أن المحبة لا تُقاس بعدد الاتصالات، ولا بطول الرسائل، ولا بكثرة العبارات؛ بل بما يفعله الإنسان حين تتعذر الطرق المعتادة، فيبحث عن طريق آخر يصل به إلى من يحب. لقد ذكّرتني بأن الأخوة ليست كلمةً نرددها، وإنما مسؤولية جميلة نحملها في قلوبنا، ونعبر عنها بأفعالنا. وكم نحن بحاجة إلى هذه الروح في زمن ازدحمت فيه المشاغل، وأصبحت فيه اللقاءات تؤجلها المواعيد، وتختصر فيه العلاقات أحيانًا إلى رسائل سريعة وعبارات مقتضبة! ما أجمل أن نجد من يقول لنا بفعله قبل قوله: إن تعذر حضورك، فلن تتعذر محبتي لك. وما أجمل أن تظل بين الناس نفوس ترى في إسعاد الآخرين رزقًا، وفي إكرامهم شرفًا، وفي الدعاء لهم وفاءً لا ينقطع.

دعاءٌ من القلب

اللهم يا واسع الفضل، يا كريم العطاء، أكرم أخانا العزيز أبا محمود من واسع خزائن رحمتك، واشفه وعافه، وأدم عليه الصحة والستر وراحة البال، وبارك له في عمره، ورزقه، وأهله وأطفاله. اللهم اجعل ما قدمه من خير وإحسان في ميزان حسناته، وأبدله عن كل جهد راحة، وعن كل مبادرة بركة، وعن كل معروف أجرًا مضاعفًا من فضلك. اللهم بارك له في زوجته وأبنائه، واحفظهم جميعًا من كل سوء، وأقر عينه بصلاحهم وسعادتهم، وافتح لهم أبواب التوفيق والرزق والبركة، واجمعه بكل من يحب على خير ومحبة وعافية.

اللهم لا تره في عزيز عليه بأسًا يبكيه، ولا همًّا يثقل قلبه، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة إلا يسرتها له بكرمك يا أرحم الراحمين. اللهم كما حمل إلينا الطعام بمحبة، احمل إليه من أقدارك أجملها، ومن أرزاقك أوسعها، ومن عافيتك أكملها، ومن السعادة ما يفيض على قلبه وأهل بيته. اللهم أدم عليه نعمة أن يعطي بمحبة، وأن يجد من يدعو له بصدق، وأن يبقى بيته عامرًا بالخير والوفاء، وأن تجعل له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل دعاء نصيبًا من القبول.

ويبقى الأثر

أبا محمود، بعض الموائد تنتهي برفع الأطباق، وبعض الزيارات تنتهي بإغلاق الأبواب، لكن هناك مواقف لا تنتهي بانتهاء وقتها؛ لأنها تتحول إلى ذاكرة، ثم إلى امتنان، ثم إلى دعاء صادق يتجدد كلما استعاد القلب تفاصيلها. لقد جاءت حقيبتك محمّلة بالطعام، لكنها غادرت ذاكرتي محمّلة بمعنى أكبر: أن الإنسان يستطيع أن يجعل من أبسط الأفعال رسالةً عظيمة، إذا وضع فيها قلبه قبل يديه. فجزاك الله عنّا خير الجزاء، ودامت بيننا المحبة والأخوة، ودامت تلك القلوب التي لا تكتفي بأن تدعونا إلى الخير، بل تحمل الخير إلينا. فما أجمل أن تكون المائدة عامرة بالطعام، وما أعظم أن يكون صاحبها عامرًا بالمودة، وما أبقى الأثر حين تكون اليد التي تعطي متصلةً بقلب لا يعرف إلا الوفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top