
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
إلى أستاذي وأخي الأكبر إسماعيل، في ذكرى ميلاده الرابع والعشرين من أكتوبر
هناك أشخاصٌ لا تُقاس مكانتهم في حياتنا بعدد السنوات التي عرفناهم فيها، ولا بالمناصب التي جمعَتنا بهم، ولا بالملفات التي عملنا عليها معًا؛ فثمة أشخاصٌ يدخلون حياتنا فيتركون فيها شيئًا من نورهم، ويصبحون مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرتنا الجميلة، ومن تكويننا الإنساني، ومن الحكايات التي كلما استعدناها شعرنا أن العمر، رغم ما أخذ منا، لا يزال يحتفظ لنا بأشياء تستحق الحمد والامتنان.
وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، تحلّ ذكرى ميلاد أستاذي وأخي الأكبر، الأستاذ الدكتور إسماعيل ” أبو أحمد”، المولود في الرابع والعشرين من أكتوبر 1952؛ فتعود بي الذاكرة إلى 1988، حين بدأت معرفتي به، ولم أكن أعلم يومها أن هذه المعرفة ستصبح واحدةً من العلاقات الإنسانية التي تمتد جذورها في القلب، وتتجاوز حدود العمل، وتبقى حيّةً في الروح مهما تعاقبت السنوات وتباعدت المسافات. فبعض الناس نتعرف إليهم في العمل، ثم نكتشف بعد سنوات أنهم كانوا من أجمل ما أهدتنا الحياة.
من زمالة العمل إلى أخوّة العمر
عرفتُ أستاذي إسماعيل في بيئةٍ إداريةٍ كان للخبرة فيها مقام، وللأخلاق فيها أثر، وللإنسان قيمةٌ تتجاوز حدود المنصب والمسؤولية. كان يومها نائبًا للمدير الإقليمي ورئيسًا للجنة التربوية، ثم امتدت مسؤولياته إلى الإدارة الإقليمية، فيما كنت أتولى مسؤولية السكرتير العام للإدارة. وقد جمعتنا منظومةٌ كان نجاحها يتطلب تكامل الخبرات، وتضافر الجهود، ووضوح الأدوار والمسؤوليات. لكن أجمل ما منحَتْني إياه تلك المرحلة لم يكن خبرة العمل وحدها، بل معرفتي بإنسانٍ نبيلٍ جمع بين رقيّ الأخلاق وحكمة التجربة؛ فبدأت علاقتنا زمالةً، ثم مضت بها الأيام إلى أخوّةٍ صادقة، أثبتت أن أجمل ما نكسبه في مسيرة العمر ليس ما نتولاه من مواقع، بل مَن نلتقيهم من نفوسٍ تترك فينا أثرًا لا تمحوه السنون، وتظلّ قريبةً من القلب مهما تغيّرت المواقع وتباعدت المسافات.
الكويت… صفحةٌ أخرى من الحكاية
وفي الأوّل من يوليو عام 1994، عدتُ معه إلى الكويت، لتبدأ صفحةٌ جديدة من رحلتنا، وتواصل العلاقة مسيرتها في أرضٍ احتضنت من أعمارنا سنواتٍ طويلة، وشهدت من تجاربنا ما لا تختصره السِّيَر ولا تستوعبه التواريخ. امتدّت تجربتنا المهنية المشتركة قرابة عامٍ ونصف، ثم انتقل إلى بيئةٍ أكاديمية في قسم الجيولوجيا بكلية العلوم. تغيّر المكان، واختلفت طبيعة العمل، لكن شيئًا جوهريًّا ظلّ على حاله؛ ذلك الاحترام الذي لا تصنعه المناصب، والثقة التي لا تُفرضها المصالح، والمودّة التي تنمو بهدوءٍ حتى تصبح جزءًا من ذاكرة العمر. ولم تكن قيمة تلك السنوات فيما أنجزناه فحسب، بل فيما أودعته في نفوسنا من خبراتٍ ومواقف، وما كشفت عنه الأيام من معادن الرجال. ففي رحلة العمل، نلتقي كثيرين تجمعنا بهم المهام، ثم تفرّقنا عنهم الطرق بانتهاء المصالح؛ ونلتقي آخرين تتجاوز صلتنا بهم حدود الوظيفة، لأننا نكتشف فيهم ما هو أبقى من الزمالة: صدق المعاملة، ونبل الموقف، وطيب الأثر.
ومضت السنوات، وتبدّلت المواقع، وانتهت مراحل، وبدأت أخرى، لكن العلاقة ظلّت ممتدّةً حتى يومنا هذا؛ لا تستمدّ بقاءها من منصبٍ يجمعنا، ولا تحتاج إلى مصلحةٍ تجدّدها، بل تتغذّى من رصيدٍ قديمٍ من الاحترام، وتزداد رسوخًا كلما استدعت الذاكرة موقفًا جميلًا أو أعادت الأيام لقاءً عزيزًا. وما أجمل أن تبلغ العلاقة من الصدق منزلةً لا يحتاج معها الإنسان إلى أن يعيد تقديم نفسه كلما مرّت السنوات، أو أن يشرح مكانته كلما تغيّرت الظروف؛ لأن ما بين القلوب قد تأسّس يومًا على معرفةٍ صادقة، ثم تولّت الأيام رعايته، وتكفّلت المواقف بإثبات أصالته. فبعض العلاقات تبدأ في العمل، لكنها لا تنتهي عند بابه؛ تبدأ زمالةً، ثم تنضج احترامًا، وتستقرّ مودّةً، حتى تصبح شاهدًا على أن أجمل ما نكسبه من سنوات العمر ليس ما نشغله من مواقع، بل مَن يبقون في حياتنا بعد أن تتغيّر المواقع كلّها.
من الأستاذ إلى الأخ الأكبر
يا أستاذي وأخي الأكبر إسماعيل… حين أستعيد رحلتنا منذ عام 1988، أجد أن بعض الناس لا نمنحهم مكانتهم في قلوبنا بقرارٍ واعٍ، بل يمنحونها لنا بأخلاقهم، وبسيرتهم، وبالطريقة التي يتركون بها أثرهم في نفوسنا. كنتَ بالنسبة إليّ أكثر من زميلٍ جمعنا العمل؛ كنتَ معلمًا أستفيد من خبرته، وملهمًا أستحضر ما يمثله من أدبٍ وأخلاق، وأخًا أكبر أعتز بوجوده في حياتي. وإن كان العمل قد جمعنا في البداية، فإن الأيام هي التي اختبرت قيمة هذه العلاقة، وأثبتت أن المحبة الصادقة لا تتوقف عند نهاية مشروع، ولا تتلاشى بتغير المسؤوليات، ولا تحتاج إلى لقاءٍ يومي حتى تظل حاضرة. فثمة أشخاصٌ يسكنون الذاكرة لا لأننا نراهم كل يوم، بل لأنهم تركوا فيها ما لا تستطيع الأيام محوه. ولذلك، في ذكرى ميلادك، لا أريد أن أكتفي بعبارة “كل عام وأنت بخير”. على جمالها وصدقها؛ بل أريد أن أقول لك إنني أعتز بأن الحياة عرّفتني بك، وإنني أعدّ استمرار هذه العلاقة عبر كل تلك السنوات نعمةً تستحق الحمد، وإن ما أحمله لك من محبةٍ وتقدير هو جزءٌ من وفائي لمرحلةٍ جميلة من العمر، ولرجلٍ كان حضوره فيها طيبًا ومُلهمًا.
الأسرة الكريمة… حين تتسع المحبة لتشمل الأهل
ولأن العلاقات الصادقة لا تقف عند حدود الأفراد، بل تمتد إلى بيوتهم وأسرهم، فإن وفائي لك يا أبا الأسرة الكريمة يحمل معه تقديري ومحبتّي لكل من جعل لهذه العلاقة دفئها الإنساني وجمالها. إلى الأخت الفاضلة وفاء أم أحمد، كل الشكر والتقدير على كرمها وحسن ضيافتها، وعلى ما تمثله من أصالةٍ وطيب معشر؛ فحسن الضيافة ليس مجرد مائدةٍ تُقدّم، وإنما قلبٌ يرحب، ونفسٌ تُكرم، وبيتٌ يشعر ضيفه فيه أنه بين أهله. وإلى الابن العزيز أحمد، السلام والمودة، ويبارك في زوجته وأولاده وإلى الابنة الغالية العزيزة أسماء” أم شهد”، وزوجها العزيز أحمد الشرقاوي، سلامٌ يليق بمكانتهما، ودعاءٌ بأن يجعل الله حياتهما مملوءةً بالمودة والرحمة، وأن يبارك لهما في بيتهما والغزالتين شهد وحنين، ويصرف عنهما كل سوء. وإلى العزيز زاهد وزوجته وأولاده، أطيب التحايا وأصدق الدعوات؛ وكذلك العزيزة شفاء وزوجها وأولادها، كما أبعث سلامًا إلى العزيزة جميلة أم أحمد جابر، وإلى العزيز جابر أبي أحمد، وأبنائهم وأحفادهم؛ تلك الأسرة الطيبة التي تتسع معها دوائر المودة، وتتشابك فيها صلات الخير، حتى تصبح المحبة حكايةً تتناقلها القلوب من جيلٍ إلى جيل.
دعاءٌ يليق بذكرى الميلاد
اللهم في ذكرى ميلاد أستاذي وأخي الأكبر، إسماعيل “أبي أحمد”، أستودعك عمره وصحته وقلبه وأهله وأحبابه؛ فاحفظه بعينك التي لا تنام، وألبسه ثوب العافية، وأنر قلبه بالسكينة، واملأ أيامه بالرضا، وارزقه من الخير فوق ما يرجو، ومن الفرح ما يُنسيه كل تعب، ومن جميل الأقدار ما تقرّ به عيناه. اللهم بارك له فيما مضى من عمره، واجعل ما بقي منه خيرًا وبركةً وطمأنينة، وأدم عليه نعمة الستر، وراحة البال، وطيب الخاطر، وحسن الختام. واجزه عن كل خيرٍ قدّمه، وكل قلبٍ أسعده، وكل إنسانٍ علّمه أو أعانه، خير الجزاء، واجعل أثره الطيب شاهدًا له، وذخرًا باقيًا في ميزان حسناته.
اللهم احفظ زوجته العزيزة أم أحمد، وفاء، وأدم بينهما المودة والرحمة، واجعلهما سندًا وسكنًا أحدهما للآخر، وبارك لهما في أبنائهما وأحفادهما، واحفظ أحمد وزوجته وأولاده، وأسماء وزوجها أحمد الشرقاوي وأولادهما، وزاهدًا وزوجته وأولاده، واحفظ أم أحمد جابر جميلة، وجابرًا وأسرهم وأحفادهم. اللهم اجمعهم على المحبة والخير، واحرس بيوتهم من كل سوء، واشفِ مرضاهم، وارحم موتاهم، وفرّج همومهم، ويسّر أمورهم، وحقّق لهم من الخير ما تتطلع إليه قلوبهم.
كلمةٌ أخيرة… لأن بعض الوفاء لا يشيخ
أستاذي وأخي الأكبر إسماعيل، “أبا أحمد”…، لم تكن علاقتنا مجرد زمالةٍ جمعتنا في دروب العمل، بل كانت معرفةً طيبةً نضجت مع الأيام، ورسخت في القلب حتى غدت من جميل ما أعتز به في رحلة العمر. واليوم، في ذكرى ميلادك، لا أملك لك إلا دعاءً صادقًا، ومحبةً لا تنتظر مناسبةً لتعبّر عن نفسها، وحمدًا لله الذي يجعل في حياتنا أشخاصًا يظلّ حضورهم جميلًا مهما ابتعدت المسافات وتبدّلت الأحوال. كل عام وأنت بخير، كل عام وأنت في حفظ الله ورضاه يا أبا أحمد، وكل عام وأنت أخٌ عزيزٌ ومعلّمٌ نبيل، ومحاطًا بقلوبٍ تحبك، وأسرةٍ تسعد بك، وأيامٍ تجازيك عن طيب قلبك أجمل الجزاء. فبعض الناس لا تأخذهم السنوات إلى الماضي؛ لأنهم تركوا في القلب ما يجعلهم جزءًا دائمًا من الحاضر. دمتَ أخًا عزيزًا، ودام بيننا الودّ الذي لا تضعف جذوره بمرور الزمن، ولا يحتاج إلى كثرة اللقاء كي يبقى حيًّا.