
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
ليست كل الموائد مما يُؤكل؛ فبعضها يُروى، وبعضها يسكن الذاكرة، وبعضها يظل حاضرًا في القلب كلما مرّ طيف أصحابه.
كان يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026, موعدًا للقاء أخي العزيز السيد منيسي، أبي محمود. وفي أثناء الحديث أخبرني أن غداء يوم السبت سيكون عندي. حاولت أن أعتذر، ورجوته ألا يُحمّل نفسه عناء إعداد شيء أو إحضاره، وأكدت له أن حضوره وحده يكفيني، وأن الود الذي يجمعنا أغلى من كل ما يمكن أن تحمله الأيدي.
انتهى اللقاء، وظننت أن رجائي قد وصل، وأن الأمر لن يتجاوز كلمات المودة المعتادة بين الأحبة.
لكن للكرم أحيانًا رأيًا آخر!
في مساء السبت، الحادي والثلاثين من أكتوبر2026، فوجئت بأخي أبي محمود يحمل حقيبة كبيرة. لم تكن حقيبة عابرة، بل كانت تحمل معها حكاية كاملة من حكايات المطبخ المغربي، ودرسًا جديدًا في أن بعض الناس لا يكتفون بأن يعدوك بالخير، بل يأتون به إليك.
وما إن امتدت المائدة حتى تقدمت البسطيلة المغربية لتستأثر بالمشهد؛ تلك التحفة الذهبية التي لا تحتاج إلى تعريف، وإنما إلى عين تتأملها وذائقة تكتشف أسرارها. طبقاتها الرقيقة، وحشوتها التي اجتمع فيها الدجاج وقطع اللحم واللوز، وما احتضنته من توابل ونكهات متآلفة، جعلت منها أكثر من طبق؛ كانت لوحة من تراث مغربي عريق، اجتمعت فيها دقة الصنعة وكرم المكونات.
وإلى جوارها سلطة بديعة، لم تكن مجرد طبق جانبي، بل عالمًا من الألوان والنكهات، تنوعت فيه الخضروات والفواكه والمكسرات، حتى بدا أن صاحب المائدة أراد أن يمنح كل تفصيلة فيها نصيبًا من الجمال.
وتقول حكمة مغربية متداولة في معناها: «الضيف ضيف الله»؛ ولعل أجمل ما في هذه الحكمة أنها لا تجعل إكرام الضيف تفضلًا عليه، بل بابًا من أبواب الخير والوفاء بحق الضيافة.
ظننت أن الحكاية قد بلغت نهايتها، وأنني سأكتفي بحمل امتنان هذه المائدة في قلبي، لكن يوم الاثنين، الثاني من نوفمبر، كان يخبئ فصلًا جديدًا.
قبيل المغرب، سمعت طرقًا هادئًا على الباب، فخرجت لأجد أخي السيد منيسي مرة أخرى!
يا الله! أهي زيارة ثانية أم أن الكرم قرر أن يكتب تتمة الحكاية قبل أن نجفف مداد الفصل الأول؟
هذه المرة كانت الحقيبة تحمل لونًا آخر من ألوان المائدة، وكان برياني اللحم هو بطل المشهد. طبق غني، تتعانق فيه حبات الأرز مع اللحم والتوابل، وتفوح منه رائحة المطبخ الذي يعرف كيف يحول المكونات البسيطة إلى تجربة لا تُنسى. وإلى جانبه سلطة أخرى، جمعت ألوان الخضروات وتنوع الفواكه والمكسرات، في تكامل يشي بعناية من أعدّها واهتمامه بأدق تفاصيلها.
وهكذا، لم تمضِ ثمانٍ وأربعون ساعة حتى وجدتني أمام مائدتين مختلفتين، جمعت بينهما يد واحدة وقلب واحد؛ بسطيلة مغربية في السبت، وبرياني لحم في الاثنين، وبينهما من المحبة ما لا تسعه حقيبة، ولا تحيط به كلمات الشكر.
ولعل أجمل ما في الكرم أنه لا يُقاس بما يخرج من اليد، بل بما يصل إلى القلب. فهناك من يقدم لك الطعام، وهناك من يجعلك تشعر أنك حاضر في وجدانه قبل أن تكون حاضرًا على مائدته.
أخي العزيز أبي مريم، وأختنا الفاضلة أم مريم،
لقد أكرمتمونا مرتين، لكن أثر عطائكما تجاوز المرتين؛ لأن المائدة الأولى لم تنتهِ برفع أطباقها، والثانية لم تنتهِ بانتهاء طعامها، بل تركتما في النفس حكاية تتجدد كلما تذكرناكما.
نسأل الله أن يبارك لكما في الصحة والعمر والرزق، وأن يبارك في أيديكما التي صنعت وأعدّت وقدّمت وسعت وأحضرت، وأن يجعل كل ما بذلتماه في ميزان حسناتكما، وأن يرزقكما من الخير أضعاف ما أدخلتماه على قلوبنا من سرور.
اللهم احفظ أخانا السيد سيدًا، وأدم عليه نعمة العافية وراحة البال، وبارك له في أهله وأحبابه، واحفظ أم مريم، وألبسها ثوب الصحة والسلامة، وأقر أعينكما بابنتكما مريم، واجعلها من أسعد خلقك، وحقق لها ما تتمنيان، وافتح أمامها أبواب التوفيق والرضا، واجعل مستقبلها أجمل مما يرجو قلباكما لها.
اللهم كما جعلا لنا في بيتهما ومائدتيهما موضعًا للمحبة والأنس، فاجعل لهما في رحمتك مقامًا كريمًا، وفي رزقك سعة، وفي أعمارِهما بركة، وفي أيامهما أفراحًا لا تنقطع، ولا تريهما في أنفسهما ولا فيمن يحبّان مكروهًا.
وأختم إليك يا أخي وسيدي السيد، وإليكِ يا أم مريم، بكلمة خرجت من القلب قبل أن تبلغها الحروف: كفى… لقد أغرقتمونا كرمًا!
فإن كان للكرم حدٌّ في حساب الناس، فإن كرمكم تجاوز الحساب، وإن كان للشكر كلام، فقد عجز الكلام عن الوفاء بحقكم.
نسأل الله أن يكرمكما كما أكرمتما، وأن يفيض عليكما من واسع فضله، وأن يجعل ما قدمتماه بابًا لخير لا يُغلق.
فالبسطيلة والبرياني كانا على المائدة، أما الكرم الحقيقي فكان في القلب الذي أرسلهما… وفي اليد التي حملتهما إلينا.