|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في صبيحة عادية كغيرها من صباحات العمل، سُلمت ورقة صغيرة. كانت رسمية، جافة، بلا مقدمات، بلا أثر لعناق أو كلمة وداع.
ورقة تقول إن خدمات أحد أعمدة المؤسسة – الذي قضى فيها ثلاثين عامًا ويزيد – قد انتهت. هكذا، ببساطة من لا يعرف أن وراء هذا الاسم سجلٌ من التعب، وأرشيف من المواقف، ومجلدات من الذكريات.
انتهت الرحلة، وبقي السؤال يتردد في أروقة النفوس: هل كانت المؤسسة “مؤسسةً بحق” حين لم تحفظ الكرامة الأخيرة؟
قصة ليست ككل القصص
هو ليس موظفًا عابرًا، ولا اسما في كشف الرواتب. هو جزء من “ذاكرة الطفولة المؤسسية” حين كانت المؤسسة بلا جدران، وبلا عناوين بريدية، حين كانت الاجتماعات تُعقد على “سجادة أمل”، والموازنة تكتب على ظهر ظرفٍ مستعمل. في تلك الأيام، لم تكن المؤسسة تملك شيئًا… لكنها كانت تملك كل شيء:
القلب، والبذل، والولاء، والرجال.
وكان هو أحد أولئك الذين لبسوا المؤسسة كما تُلبس القضية،
عمل بلا حساب، سهر بلا شكوى،
شهد قيامها، وعاش سقوطها وقيامها الثاني، وحين كان الرحيل، لم يسأل لماذا… لكننا نحن، نسأل لماذا.
حين تُختزل المسيرة في ختم إداري
تخيلوا أن من قضى ثلاثة عقود في خدمة هدف، أنشأ الفرق، ربّى الأجيال، مثّل المؤسسة في الأزمات والقمم… يُودع بورقة إنهاء، بلا تكريم، بلا لحظة شكر علنية، بلا وداع يليق بقامة من لحم ودم وعرق وتاريخ. إنها لحظة تكشف، من دون قصد، قيمة القيم في مؤسسة ما،
فالمؤسسة لا تُعرف بميزانياتها، بل بمواقفها ساعة الوداع.
ماذا تعني القيم المؤسسية؟
“النزاهة”، “الانتماء”، “الاحترام”، “الاحتراف”، “العدالة”، شعارات تزين كتيبات الخطة الاستراتيجية، لكنها تُختبر فعلًا في لحظات نادرة:
• عندما يُخطئ القوي… فهل يُحاسب كغيره؟
• وعندما يتعب الوفي… فهل يُكافأ بما يليق؟
• وعندما يغادر الكبير… فهل يُحتفى به أم يُنسى؟
القيم المؤسسية لا تُقاس بكلمات، بل بسلوكيات، وما لم تَظهر في لحظة الفصل، فإنها لم تكن يومًا موجودة.
أين كانت الإدارة؟ وأين كان الضمير المؤسسي؟
ألم يسأل أحد: كيف سيشعر موظفو المؤسسة حين يرون رفيق دربهم يُودع بلا كلمة؟ ألم يفكر أحد أن من يرى “الكرام يُنسون” لن يغامر بالبقاء؟ هل نحتاج إلى دليل أكثر وضوحًا على أن الوداع أحيانًا يحدد سمعة المؤسسة أكثر من عقود الشراكة؟ الخبرة لا تُشترى، والولاء لا يُستأجر،وحين يُكسر قلبٌ ويمضي، فإن المؤسسة تخسر أكثر مما تعتقد.
دعوة لاستخلاص الدروس
لسنا في مقام العتاب، بل التأمل.
وليس المقال ضد أحد، بل مع القيم التي تستحق الحياة. وها نحن نقترح، لا نأمر:
• أن تُعتمد سياسة تكريم رسمي وعلني لكل من تجاوز خمس عشرة سنة خدمة.
• أن يُكتب “تقرير مسيرة” يشهد للراحل، ويُمنح له في حفل كريم.
• أن تكون لحظة الوداع فرصة امتنان لا فصلٍ صامت.
• أن يُبنى أرشيف من “قصص الوفاء” في المؤسسة، يقرؤه القادمون فيتعلمون.
في الختام: غادر لكنه بقي
غادر صاحبنا المؤسسة، نعم…
لكن المؤسسة لا تزال تذكر توقيعه في ملفات المشاريع، وصوته في الاجتماعات، ونُكاته التي كنا نحفظها عن ظهر قلب. غادر… لكنه بقي في قلوب من يعرفون الفرق بين العامل والفاعل، وبين الحضور الوظيفي والحضور التاريخي.
ويبقى السؤال الأخير، في وجه كل مؤسسة: هل تصنعون الرجال؟ أم تستبدلونهم؟ هل تملكون ذاكرة؟ أم أنتم آلة تمضغ ثم ترمي؟ هل منسوب القيم عندكم يرتفع مع الأزمات… أم يغرق في أول اختبار؟
لكل من رحل بصمت: نعتذر إن لم نكن على قدر الوفاء. ونشهد، أمام الله والتاريخ، أنكم كنتم من بناة هذه المؤسسة… وأن القيم التي لم تحتفِ بكم عند الوداع… هي ذاتها التي تحتاج أن تُراجع نفسها.