|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في لحظةٍ صامتةٍ حين ينسحب الليل ببطء، وتتناثر أول خيوط الضوء، يولد اختبارٌ عجيب لا يراه إلا الذين جاهدوا أنفسهم: اختبار الفجر. ليس هو صلاة عادية تُؤدَّى في وقتٍ محدد، بل هو قرارٌ وجودي يختبر عمق الإنسان قبل أن يختبر حركاته وسكناته. من يُقيم جسده عند الفجر على طاعةٍ، يثبت أنه قادر على أن يقيم أمة بأكملها على القيم. هنا، حيث الأفق يتفتح على إشراقة جديدة، تتجلى الحقيقة التي غفل عنها كثيرون: القيادة الحقيقية لا تُستعار من المناصب، ولا تُستجدى من التصفيق، بل تُولد من قلبٍ صادق يعرف أن يقوم عند النداء، في اللحظة التي ينام فيها معظم العالم.
القيادة في جوهرها ليست عن بريق الألقاب ولا عن ضجيج الكلمات، بل عن المعنى الذي يزرع في الأرواح الطمأنينة. وهنا يتبدى الرابط العجيب بين صلاة الفجر والقيادة؛ كلاهما مسؤولية في الخفاء قبل أن يكونا مشهدًا في العلن. فالقائد الذي ينهض للفجر، يعرف كيف ينهض لجماعته، ويُدرك أن الانضباط الشخصي هو أقوى من كل القوانين واللوائح. ولقد قال الإمام علي رضي الله عنه: “من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره.” وما هو تعليم النفس أصدق من أن تروضها على القيام للفجر؟ إن أول قيادة يمارسها الإنسان هي أن يقود نفسه إلى النور في وقتٍ يتثاقل فيه الجسد وتنازعه الرغبة في النوم. فإذا انتصر في هذه الجولة الخفية، سهل عليه أن يقود غيره في معترك الحياة.
لقد كتب مانديلا أن “القيادة تعني أن تكون في المقدمة، لكن ليس لتُرى، بل لتُشعل الطريق لغيرك.” وهذه العبارة تزداد وضوحًا حين نربطها بالفجر، فالمصلي لا يبحث عن أن يراه الناس في تلك الساعة، بل يسعى أن تراه السماء، أن يكتب اسمه في صحائف النور، أن يشهد عليه الفجر الذي قال عنه رب العالمين: “إن قرآن الفجر كان مشهودًا.” أي قيمة أعظم من أن تبدأ نهارك بشهادة السماء؟ ومن يملك شهادة السماء، يسهل أن ينال ثقة الأرض.
السرد هنا ليس مجرد فكرة شعرية، بل تجربة حياة. إن من يتأمل حال القادة الذين غيروا مجرى التاريخ يجد أن في سيرهم ملمحًا فريدًا من الاستيقاظ الروحي. لم يكونوا أسرى الرفاهية ولا أسرى النوم الطويل، بل كانوا أسرى المعنى، يقتنصون اللحظة قبل أن تقتنصهم. محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، كان ينام قليلًا ويستيقظ للفجر ثابتًا، وهو يقول: “بالأمل نصنع المستحيل، وباليقين نفتح القلوب قبل الأسوار.” ولقد صدق؛ إذ لم يكن جيشه يقوم لصلاة الفجر بغير انتظام، لأن القائد علّمهم أن الفجر تدريب يومي على الانضباط قبل أن يكون عبادة فردية. هنا يتجلى الربط الأعظم: القيادة التي تتجذر في القيم لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى أفعال صامتة تعكسها الحياة اليومية.
ولعل البعض يتساءل: ماذا عن قادةٍ عظام في التاريخ لم يعرفوا صلاة الفجر كما نعرفها؟ والجواب أن المقصود هنا ليس الطقس ذاته، بل المعنى الكامن وراءه: الانضباط في ساعة يغفل فيها الناس، ومواجهة النفس عند لحظة الصدق الأولى من اليوم. كل قائد عظيم – أيًا كان دينه أو ثقافته – كان له “فجره الخاص”، تلك الوقفة الداخلية التي تسبق النور، حيث ينفض غبار الكسل ليقف أمام مسؤوليته. قد تكون صلاة، أو تأملًا، أو خلوة فكرية، لكنها في جوهرها واحدة: أن يبدأ الإنسان نهاره بروح يقظة وهمة متقدمة. الفجر إذًا رمز إنساني جامع، التقت عنده طرق العظماء جميعًا وإن اختلفت صيغهم.
القائد الذي لا يعرف كيف يقف بخشوع في محراب الفجر، كيف له أن يقف بثبات في مجلس القرار؟ ومن لا يقود نفسه حين يختلط عليه صوت النوم مع صوت الأذان، كيف يقود أمة حين تختلط الأصوات بين الباطل والحق؟ إن في الفجر لحظة صدقٍ لا يمكن تزويرها، لحظة ينكشف فيها الغطاء عن قلب الإنسان، فإن وُجد حاضرًا، كانت قيادته صادقة، وإن غاب، دلّ على غيابٍ أعمق من مجرد صلاة.
من أقوال غاندي: “القوة لا تأتي من القدرة الجسدية، بل من الإرادة التي لا تُقهر.” وما صلاة الفجر إلا ميدان لتدريب الإرادة. من قهر نفسه عند الفجر، لن يقهره الميدان حين يواجه المحن. ومن تذوق برد السجود قبل طلوع الشمس، عرف كيف يواجه حرّ المعارك حين تشتعل. هذا التمازج بين العبادة والقيادة هو ما نحتاج أن نُعيد إحياءه اليوم، في زمنٍ طغت فيه الشعارات وفقدت الأفعال بريقها. القيادة ليست استعراضًا، بل صلاة فجر متواصلة، خفية، متكررة، لا تحتاج جمهورًا، بل تحتاج إخلاصًا.
ثم إن في الفجر تواضعًا، لأنه يضع الجميع على بساط واحد: الغني والفقير، الكبير والصغير، كلهم يقفون في صفٍ واحد، لا ألقاب ولا كراسي ولا أضواء. أي درس أعظم للقائد من أن يذوب في صفٍّ واحد مع شعبه، بلا حواجز ولا امتيازات؟ ومن لم يتعلم التواضع في محراب الفجر، سيظل يفتقد جوهر القيادة مهما كثرت ألقابه. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.” وما صلاة الفجر إلا مفتاح العزة الأولى، لأن فيها إعلانًا بأنك تضع نفسك حيث يريدك الله، لا حيث تميل نفسك.
القيادة التي لا تعرف قيم الفجر ستبقى ناقصة، لأنها ستفتقد البوصلة الأخلاقية. إن أخلاق الفجر – الصدق، الإخلاص، التواضع، الانضباط – هي نفسها أخلاق القيادة التي تبني أمة. وما أجمل أن يقف القائد مع نفسه لحظة فجر ويسأل: هل أنا صادق مع ذاتي كما أنا صادق مع من أقودهم؟ هل أحرص على وعدي مع الله كما أحرص على وعودي مع البشر؟ إن هذه الأسئلة التي تنبت في سكينة الفجر هي التي تُعطي القيادة معناها الإنساني العميق.
لقد قال كونفوشيوس: “من أراد أن يقود الآخرين، فليقم أولًا بتقويم نفسه.” وصلاة الفجر هي قمة تقويم النفس، لأنها انتصار على هوى النوم، ومصالحة مع النور. القيادة والفجر يشتركان في سر واحد: كلاهما يتطلب أن تستيقظ قبل الآخرين، أن تبدأ قبل أن يبدأوا، أن تكون أنت النور الأول الذي يبدد الظلمة. فمن عاش مع الفجر، عاش قائدًا حقيقيًا، سواء حمل منصبًا أم لم يحمل، لأن القيادة في حقيقتها ليست منصبًا، بل معنى يسكن الروح.
وهكذا يتضح أن القيادة التي تُبنى على الفجر ليست مجرد علاقة روحية، بل علاقة قيمية تتسع لتشمل الأخلاق والالتزام والتواضع والقدرة على صنع الأمل. هي قيادة تبني قلوب الناس قبل أن تبني مؤسساتهم، وتُضيء دروبهم قبل أن تُنظم صفوفهم. ومن هنا نفهم أن العالم لن ينهض بقادة يملكون الألقاب وحدها، بل بقادة يملكون فجرًا يضيء قلوبهم ويقود خطاهم.
يا فجرُ، علّم القلوب أن القيادة ليست مجدًا يُطلب، بل عهدًا يُؤدّى.
أيقظْ فينا صدق القرار كما أيقظت أرواح الساجدين، وأعطنا من نورك بصيرةً تقود، ومن سكينتك قوةً لا تزول. فالقيادةُ صلاةٌ قبل أن تكون منصبًا، وركعةٌ خاشعة قبل أن تكون خطبةً صاخبة. ومن لم يعرف طريق المسجد في الفجر، فلن يعرف درب القلوب في النهار. الفجرُ مدرسةُ القيادة، ومن لم يقف فيها تلميذًا خاشعًا، فلن يقف يومًا قائدًا صادقًا.