الدعاء الذي يؤسس لمدرسة قيادة رشيدة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

حين تتهامس الأرواح في لحظات الخشوع، ويعلو صوت القلب فوق كل سلطان، يتردد في الأسماع دعاء من أعظم ما نطق به اللسان: “اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.”
هذا الدعاء النبوي القصير في لفظه، عظيم في معناه، يفتح أبوابًا واسعة لفهم سر القيادة، وحدود السلطة، وعمق الحوكمة، على نحو لم يسبق أن قُرئ في ضوء فنون الإدارة وعلوم الحكم الرشيد. فالقيادة ليست مجرد قرارات تُتخذ، ولا مقاعد تُحتل، بل هي أمانة تُساق في درب مليء بالتحديات، حيث يُختبر القائد في يقينه قبل حكمته، وفي تواضعه قبل سلطانه. وهنا، يصبح هذا الدعاء مدرسة عالمية تربي القادة على أن العطاء والمنع بيد الله وحده، وأن كل سلطان دنيوي مآله إلى زوال.

البعد الأول: التواضع أساس القيادة

“لا مانع لما أعطيت” ليست جملة تقال بعد الصلاة وحسب، بل هي منهج يُغرس في قلب كل قائد، حتى لا يظن أن ما بين يديه من نِعَم أو سُلطة إنما هو نتاج ذكائه وحده. بل هو عطاء قدري، إن شاء الله أبقاه، وإن شاء نزعه. وهنا يترسخ جوهر القيادة الرشيدة: التواضع. حين تحدث القائل عن الملك قال: “السلطان لا يقوم إلا بالعصبية، والعصبية لا تدوم إلا بالعدل.” وهذا العدل لا يمكن أن يولد إلا من قلب متواضع، يدرك أن يده ليست العليا إلا بإذن الله، وأن المنع والإعطاء ليسا امتيازًا شخصيًا بل أمانة.

البعد الثاني: وهم السيطرة وسر الرشد

“ولا معطي لما منعت” رسالة واضحة لكل قائد أن السيطرة المطلقة وهم. فقد تُخطط وتبني وتُجهز، ثم يحول القدر بينك وبين ما تريد. وقد تظن أنك تُمسك بمفاتيح العطاء لمن حولك، فإذا بك مجرد واسطة لرحمة الله. القيادة الرشيدة لا تُبنى على أوهام السيطرة، بل على فن إدارة الممكن، والاعتراف بحدود الإنسان. وهذا ما يسميه بيتر دركر: “القيادة ليست في صنع التابعين، بل في إطلاق القُدرات، وتمكين الناس مما يستطيعون تحقيقه.” وهنا يلتقي الدعاء مع الفكر الإداري الحديث: فالعطاء الحقيقي هو تمكين الآخرين، لا التباهي بالقوة.

البعد الثالث: الغرور مصيدة القادة

“ولا ينفع ذا الجد منك الجد” جملة تُسقط الغرور من جذوره. فالقائد قد يملك المال، أو النفوذ، أو الذكاء، لكن كل ذلك لا ينفع أمام سلطان الله. هذه العبارة تُعيد ترتيب الموازين، وتكسر كبرياء الطغاة، وتزرع في القيادة الرشيدة وعيًا أن المناصب لا تُخلّد أحدًا، وأن الجد والاجتهاد مهما عظما لا يضمنان النصر إن لم يؤذن به. هنا يقول ابن خلدون في مقدمته: “الظلم مؤذن بخراب العمران.” كأنه يفسر معنى “ولا ينفع ذا الجد منك الجد”، فالجد هنا لا يحمي الظالم، ولا يرفع من شأن قائد متكبر، بل يهوي به في لحظة إلى حضيض التاريخ.

القيادة بين الدعاء والحوكمة

إذا تأملنا واقع المؤسسات اليوم، وجدنا أن الدعاء يشكل أرضية متينة لفنون الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. فالقيادة الرشيدة تقوم على أربعة أركان:
1. العدل: وهو جوهر الدعاء، لأن العطاء والمنع بيد الله، فلا يجوز للقائد أن يتعالى أو يحتكر.
2. المساءلة: فحين يوقن القائد أنه لا يملك كل شيء، يصبح أكثر حرصًا على الشفافية.
3. إدارة المخاطر: الاعتراف بأن المنع قائم بقدر الله يزرع وعيًا بالاحتمالات، فيجعل القائد أكثر حكمة في التخطيط.
4. الامتثال: إدراك أن السلطة ليست مطلقة يجعل القيادة خاضعة للقوانين والمبادئ، لا للأهواء.

ولذلك، حين دخلت الأنظمة العالمية اليوم في ثقافة الأيزو، فإنها لم تبتعد عن جوهر الدعاء؛ إذ أن الأيزو في جوهره هو نظام لضبط الجودة، أي اعتراف بأن البشر خطّاؤون وأن الضبط والتقويم ضرورة دائمة. أليست هذه صورة أخرى من “لا مانع لما أعطيت”؟ فحتى النجاح يحتاج إلى نظام يحفظه.

القيادة العليا ومركز الأمانة

ولعل أوضح صور تجلي الدعاء في القيادة المؤسسية هو مجلس الإدارة. فهذا المجلس، وإن بدا أنه يملك صلاحيات واسعة، إلا أن الدعاء يذكره بأن سلطانه ليس مطلقًا. فهو مسؤول أمام المساهمين، وأمام العاملين، وأمام القيم الأخلاقية والإنسانية. إن مجلس الإدارة الرشيد هو الذي يرى في نفسه خادمًا للأمانة، لا مجرد متحكم في الموارد. وهو الذي يعترف بأن القرارات الحاسمة لا تقوم على “الجد” وحده، بل على حكمةٍ وتوفيقٍ إذا غابا ضاع المشروع كله مهما كانت الطاقات.

الدعاء والإلهام العالمي

هنا نصل إلى البعد الإلهامي: كيف يمكن لدعاء قصير أن يتحول إلى مدرسة في القيادة العالمية؟ لأنه يحرر القادة من سجن الغرور. لأنه يجعلهم أكثر وعيًا بالمخاطر، فلا يركنون إلى القوة وحدها. لأنه يزرع روح العدالة، إذ العطاء ليس بيدهم مطلقًا. لأنه يفتح بابًا للإنسانية، حيث يتعلم القائد أن السلطان لله وحده، وما هو إلا مؤتمن على لحظة عابرة في التاريخ. هنا يلتقي هذا الدعاء مع أعظم ما كتبه بيتر دركر: “أفضل القادة هم من يجعلون الناس يقولون: لقد فعلناها بأنفسنا.” أي أنهم يذوبون في الخدمة، ويبتعدون عن الادعاء بأن النجاح نتاج جدهم وحدهم.

دعاء رقراق يلحق بالقيادة

وفي ختام هذا المقال، يبقى الدعاء الذي يعكس روح النص ويكمله: اللهم ألهم قادة الأمة رشدهم، وأرهم الحق حقًا وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه، ولا تكلهم إلى حولهم ولا قوتهم، واجعلهم أمناء على الأمانة، رحماء بالضعفاء، حكماء في القرار، عادلين في السلطة، عاملين بما علمتهم، شاكرين لما أعطيتهم، مستسلمين لقضائك، راجين رحمتك، خائفين من عدلك. اللهم اجعل قيادتهم باب رحمة، لا باب نقمة، ونورًا للأمة، لا ظلامًا عليها.

وختامًا: بهذا، يصبح الدعاء النبوي مدرسة كونية في فن القيادة. دعاء قصير في لفظه، لكنه أعظم من آلاف النظريات في أثره. إنه يضع يد القائد على موضع الحقيقة: أن السلطان لله، وأن القيادة أمانة، وأن الرشد ليس في كثرة الجهد وحدها، بل في صدق التوجه إلى العلي القدير. فما أحوج العالم اليوم أن يتعلم من دعاء جامع كهذا، ليبني به قيادة تُنقذ لا تُهلك، وتُصلح لا تُفسد، وتُعلي قيمة الإنسان قبل قيمة الكرسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top