
محمد تهامي
للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
في مساءٍ عربيٍّ خالصٍ من نكهة الوفاء، وعقب صلاة العشاء من يوم السبت الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2025، بدا الليل كأنه يتزيّن لموعدٍ لا يشبه غيره. كانت بني هاجر تحتضن لحظة دفء نادرة، حيث دعوة من القلب إلى مأدبةٍ عند العزيز بو محمد حمد الشهواني – رجلٌ من أولئك الذين إذا استضافوا، أكرموا وإذا حضروا، أناروا.
كان الوصول إلى المجلس أشبه بالدخول إلى لوحةٍ من الأصالة القطرية الموشّاة بعبق النخوة. المدعوون يتوافدون تباعًا، والوجوه تتلألأ بالترحيب. بو محمد، بابتسامته الهادئة وملامحه التي تجمع بين الهيبة والتواضع، يقف عند المدخل كمن يوزّع الطمأنينة قبل القهوة، وكأنّ في كل نظرةٍ منه رسالة ودٍّ صافية تقول: “أهلاً بكم في بيتٍ يُشبه قلوبكم.” لم يكن في المكان تكلفٌ ولا صخب، بل سكون كريم، ونظام نابع من الذوق قبل البروتوكول. وبينما اكتمل جمع الضيوف، سرت رائحة القهوة العربية تعبق في المكان، تتهادى من دلةٍ كأنها تحمل ذاكرة الصحراء في كل قطرة. وإلى جوارها، تمرٌ بأصنافه الرفيعة، ومجلسٌ يتنفس الحكايات الأولى عن الصداقة والأنس، وعن تلك البدايات التي تُعيد الإنسان إلى فطرته البسيطة، حيث القيمة في الحضور لا في المظاهر.
جلس بو محمد في صدر المجلس، غير متكلّف ولا متصدّر، بل حاضرٌ بعفوية الكرام. كان حديثه موزونًا كالموازين التي تضبطها الحكمة، يربط بين أطراف الذكريات والمواقف، فيجعل من كل قصة موعظة، ومن كل نكتة دفقة حياة. كأنّ الرجل يختزل في مجلسه معنى الكرم الذي تحدّث عنه حاتم الطائي يوم قال: “إذا أنت لم تَمنَح وأنت مُقتدر، فماذا تفعل حين يُعسِر بك الزمان؟” بو محمد منح دون أن يُسأل، وأكرم دون أن يُنتظر منه، لأن الكرم عنده ليس فعلَ عطاءٍ، بل طبيعةُ وجودٍ.
حين جاءت لحظة المائدة، بدا المشهد كأنه عيد. تقدّمت الصينية كأنها مرايا من النعمة، وفي وسطها الخروف العربي، بسمته المهيبة، يتلألأ على أرزٍّ أصفر تفوح منه رائحة السمن والهيل، وإلى جواره أطباق السلطة والمرق والهريس واللبن، ومائدةٌ تحمل من الجمال ما يجعل الشكر أول الكلام وآخره. جلس الجمع، وكلٌّ منهم يُمسك بلقمةٍ ممزوجةٍ بالامتنان قبل الطعام. كانت الأنامل تقتسم الأرزّ، لكنّ القلوب تقتسم المحبة. في تلك اللحظة، خطر لي قول ابن خلدون في مقدمته حين وصف الاجتماع الإنساني بأنه “ضرورة لا غنى عنها في بقاء النوع الإنساني.” هنا أدركتُ أن ما يفعله بو محمد ليس مجرد دعوة، بل إحياء لروح الاجتماع، تلك الروح التي تحفظ الأمم من التمزّق، وتُعيد للإنسان معناه في زمنٍ يغترب فيه حتى بين أهله.
انتهت المائدة، وجاءت بعدها أطباق الفاكهة… بستانٌ صغير من الألوان، البطيخ والشمّام والعنب والتفاح، حتى كأن الطبيعة اجتمعت في طبقٍ واحد لتشارك في الوليمة. ولم تلبث القهوة أن عادت من جديد، تُسكب في فناجين صغيرة، والشاي بنكهة الحبك العتيقة، ورائحتها تعبق في المكان كدعاءٍ مسكوبٍ بين يدي الله.
كان المجلس بعد العشاء أكثر دفئًا، فالضحكات تتهادى بين الحضور كحبات المطر، والقلوب تتقارب كأنها خرجت لتتنفس صدق اللقاء بعد طول انشغال. بو محمد لا يترك تفصيلًا يمر دون عناية، يُشرف بنفسه على الفناجين، يتفقد الضيوف بابتسامةٍ صادقة، كمن يرى في كل واحدٍ منهم نعمةً تستحق الشكر. وفي خضم ذلك المشهد، تذكّرت قول المسيري حين تحدّث عن “الكرم كحالة إنسانية تُعيد الإنسان إلى جوهره الفطري، حيث العطاء لا يُنتظر منه مقابل.” بو محمد، بهذا الحضور الهادئ، كان يُترجم الفكرة بلا كلمات، فالعطاء عنده ليس مناسَبة، بل أسلوب حياةٍ يحمل أثر الإيمان وذوق العرب، فيجعل من المائدة رسالة، ومن الضيافة وسيلة للتواصل الروحي قبل الجسدي.
في حديث المساء، حين سكنت الأصوات وبدأت نبرات الوداع تتسلل، شعرت أن ما حدث لم يكن مجرد مأدبة، بل مشهد إنساني مكتمل الأركان: فيه الكرم كقيمة، والجمال كإحساس، والوفاء كحقيقة. تلك اللحظات التي لا تُشترى ولا تُعاد، لأنها تُصنع بالنية قبل النية، وبالقلوب قبل الموائد. رأيتُ في بو محمد نموذجًا للرجل الذي يُعيد تعريف الكرم في زمنٍ أصبح فيه الكرم خبرًا على الهامش. هو من الذين يفهمون أن الكرم لا يُقاس بحجم الصواني ولا بعدد الضيوف، بل بحجم الصدق في الترحيب، ودفء الكلمة، ونقاء القصد. وفي بني هاجر، حيث الأصالة تسكن الرمل، بدا كأن المكان نفسه يبتسم لبو محمد، شاكرًا له حفاظه على تراثٍ لا يُدرّس في المدارس بل يُورَّث في السلوك. ولأن كل مجلسٍ جميلٍ يفتح في النفس نوافذ الفكر، خرجتُ من هناك أُفكر في أن المأدبة ليست فعلَ طعامٍ فحسب، بل رمزٌ لهندسة العلاقات الإنسانية. الطعام كان جسد اللقاء، لكن روحه كانت في تلك اللمسات الصغيرة: فما بين القهوة والتمر، والمروءة والحديث، تكرّس معنى قديم جديد: أن الكرم ليس عادةً عربية فحسب، بل إيمانٌ بأن من يُطعم الناس، يُطعم روحه بالرضا.
وهكذا بقيت مأدبة بو محمد الشهواني في بني هاجر حديث القلوب قبل المجالس، تُذكّرنا بأن اللقاءات التي تُصنع بالحب لا تُنسى، وأن الكبار لا يتركون فينا أثرًا من المائدة… بل من الإنسان الذي فيهم. فاللهم كما جمعت القلوب على المودة والكرم، فاجمعها دائمًا على الخير والرضا، وبارك في العزيز بو محمد وأهله وذريته، واهدِنا جميعًا لأدب العطاء وجمال النية، واجعل موائدنا عامرةً بذكرك، وقلوبنا عامرةً بحبك.