حين تكلمت الإدارات الثلاث… العرس والمؤسسة والجنـازة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كنتُ أظنّ أن الإدارة علمٌ يُدرَّس، ومهارة تُمارس، حتى سمعتُ الحياة تتحدث بأصواتٍ ثلاث. صوتٌ يُشبه الضحك، وآخر يشبه البكاء، وثالث يشبه الصمت. قالت لي الحياة في تلك الليلة الغريبة: “كل إدارةٍ فيك تتنفس بطريقة مختلفة، وكل موقفٍ منك هو فصلٌ من كتاب الإدارة الكبرى، التي لا تُدرّس في القاعات، بل في المواقف. جلستُ بين الأصوات الثلاثة كمن يشهد مؤتمرًا لم يسبق في التاريخ، لا يُدار بالموارد البشرية، بل بالروح. الأولى كانت إدارة الأعراس، تمشي مزهوةً بثيابها البيضاء، كأنها طفلةٌ تلعب بالفرح دون أن تدرك ثقل الأيام. والثانية إدارة المؤسسات، تحمل أوراقًا ومحاضر واجتماعات، تمشي بخطى واثقة، لكنها مثقلة باللوائح والضغوط. أما الثالثة إدارة الجنائز، فقد جاءت في ثوبٍ بسيط، تحمل سكونًا لا يُشبه شيئًا من الحياة ووجها يضيء بالرحمة لا بالكلمات. اقتربتُ من الثلاث، فبدأ الحوار الذي لم يشهده التاريخ.

إدارة الأعراس قالت: “أنا ولدتُ في لحظة الوعود، في البدايات التي تحلم ولا تحسب. أرتدي الفرح لأخفي الخوف، وأوزّع الضحكات كأنها قروض من القلب. أنا البداية التي تحب أن تُرى، حتى إن لم تُفهم. في عالمي، كل شيء يُزيَّن ليبدو كاملًا: الزهور، الملبس، الكلمات، حتى المشاعر تُنسَّق كما تُنسَّق الطاولات. لكن يا صديقي، كم من عرسٍ كان مليئًا بالناس وخلوًا من الفرح الحقيقي؟ وكم من ابتسامةٍ لم تعرف طريقها إلى القلب؟” أطرقتُ برأسي.

فتقدمت إدارة المؤسسات وقالت بصوت محسوب: “أما أنا، فميداني مختلف. هنا لا تُنثر الورود، بل التوقيعات. لا يُقاس النجاح بعدد الحضور، بل بعدد القرارات. أنا أتعامل مع الإنسان في صورته الوظيفية، وأحاول تذكيره أنه روح قبل أن يكون رقمًا في هيكلٍ تنظيمي. غير أني أحيانًا أُصاب بالعمى الإداري، حين يغلب الإجراء على الإنسان، واللائحة على الرحمة. وأخطر لحظاتي حين أظنّ أن السيطرة هي القيادة، وأن الخوف هو النظام. كم من مؤسسة فقدت روحها لأنها لم تُدِر نفسها، بل قيّدت نفسها.”

ثم جاء صوت إدارة الجنائز، وكنت أظنها أضعفهنّ، فإذا بها أعمقهنّ: “أما أنا، فلا أحتاج إلى ميكروفون ولا إعلان. حين أصل، ينكسر الزمن ويُفتح باب السماء. أنا الإدارة التي تذكّر الكلّ بالصدق. هنا لا مجاملة، لا خطة استراتيجية، لا عبارات منمقة. فقط وجوه صامتة، وقلوبٌ تراجع نفسها. أنا أعلّم الناس أن الإدارة ليست فنًا للبقاء فحسب، بل فنًا للرحيل الجميل. أن تستقيم لا لأن أحدًا يراك، بل لأنك ترى الله في كل موقف. أنا آخر ما تبقى من الحقيقة في عالمٍ يتجمّل بالكلام.”

سكتت الأصوات، ووقفتُ بينهم كمن يسمع روحه من الخارج. شعرت أن كل إدارة هي وجهٌ من وجوه الإنسان ذاته: الأعراس تمثل الطموح والبدايات والرغبة في الإبهار. المؤسسات تمثل العقل والمسؤولية والتحدي. الجنائز تمثل الصدق والعودة إلى الأصل. وتحدثتُ إليهنّ جميعًا: “إن اجتمع في الإنسان فرح الأعراس، وانضباط المؤسسات، وصدق الجنائز، لاستقامت الحياة. تذكّرت قول الإمام عليّ رضي الله عنه: “قيمةُ كل امرئٍ ما يُحسن.” كأنها رسالة إلى كل إدارة فينا، أن الإحسان هو المقياس الحقيقي – لا عدد المشاريع ولا الصور، بل مقدار الصدق والإتقان والإخلاص. في تلك اللحظة، أدركت أن “الاستقامة” ليست موقفًا، بل مسارًا. أن شعار “فاستقم” لا يُرفع في اللوحات المؤسسية فقط، بل في داخل النفس التي لا تريد أن تنحرف ولو قيد شعرةٍ عن ضوء الصدق. حين يخطئ أحدهم، لا يراقبه المدير، بل ضميره. وحين ينجح، لا ينتظر التصفيق، بل يبتسم في وجه الله. همست النفس الراوية من داخلي: “الاستقامة لا تُدرَّب، بل تُربّى. وهنا استعدت كلمات غاندي حين قال: “كن أنت التغيير الذي تتمنى أن تراه في العالم. وأضفت في سري: وكن أنت الاستقامة التي تتمنى أن تراها في مؤسستك. فمن استقام في داخله، استقامت من حوله كل إدارةٍ وإن تباينت.

مرت أمامي مشاهد من الواقع: موظف يجمع معلوماتٍ عن زميله ليقدّمها تبريرًا أو مكسبًا. آخر يحرص على أن يُظهر حرصه على النظام ليُخفي خوفه من ضعفه. وثالث يختار الصمت لا عجزًا، بل كي لا يجرح قيمةً غابت. كنتُ أرى الإدارة من الداخل – لا بوصفها نظامًا، بل مرآةً للإنسان. حين تصحو القيم، تصحو المؤسسة. وحين ينام الضمير، تُصاب الإدارة بالشلل وإن ازدحمت الخطط. استدليت حينها بمقولة: “العدل أساس العمران. وتأملت: كم من المؤسسات تُهدم وهي قائمة، لأن العدل غاب عنها؟ كم من الاجتماعات تُعقد لتفسير الظلال لا لإحياء النور؟ وكم من القلوب تعمل بلا نية، حتى أصبحت الإدارة تمثيلًا لا رسالة؟

همست إدارة الجنائز بصوتها الخافت العميق: “يا من تُديرون الناس، هل جربتم أن تُداروا بالرحمة؟ إن إدارة الأرواح أعظم من إدارة الأرقام وأنتم تُحاسبون على النيات قبل الإنجازات. سكتت إدارة المؤسسات قليلًا، ثم قالت “نعم، نحن نحاول. لكن الإنسان ينسى. ينسى أن الهدف ليس بقاء الكيان، بل بقاء المعنى. ضحكت إدارة الأعراس بخجلٍ وقالت: “حتى الفرح يا إخوتي يحتاج إلى ضابطٍ من القيم، فقد يُغشي الزينة العيون، إن لم يُضيء الإخلاص القلب.”

شعرتُ أن الحوار تحول إلى صلاةٍ صامتة. الاستقامة أصبحت المعنى المشترك بينهن جميعًا. كل إدارة كانت تطلب أن تُرى بنورها لا بمظهرها أن تُقاس بالنية لا بالنتائج أن تُفهم بالرحمة لا بالتقارير. هنا قالت النفس الراوية: “يا بني، إذا أردت أن تفهم الإدارة، فانظر إلى ما بعد الرحيل. حين يُذكر اسمك، هل تُذكر معك قيمةٌ نبيلة أم مصلحةٌ عابرة؟ الإدارة الحقيقية ليست ما يراه المدير، بل ما تزرعه في قلوب من تعمل معهم. الإنجاز ليس في عدد الوثائق، بل في عدد القلوب التي لم تُكسر تحت يدك.”

جلستُ بعد هذا الحوار أراجع نفسي كما تُراجع المؤسسة ميزانيتها. وجدتُ أن الرصيد الحقيقي ليس في المال، بل في “الثقة”. أن النجاح الحقيقي ليس في تقرير الأداء، بل في ضميرٍ مرتاح عند الغروب. أن شعار “فاستقم” لا يُرفع في مدخل المبنى فحسب، بل يجب أن يُنقش في صدور العاملين كما يُنقش الإيمان في القلب. وفي لحظة صفاء، شعرت أني لستُ موظفًا ولا مديرًا، بل شاهدًا في مدرسةٍ كبرى اسمها “الحياة”. كل يومٍ درس جديد، كل موقف امتحان، كل كلمة تقييمٌ سماوي لا يُعلن في الصحف. حين تغيب العدالة، يُطفأ النور. وحين تحضر النية، تزهر المؤسسة كما تزهر الأرض بعد المطر.

رفعت النفس الراوية بصرها إلى السماء وقالت: “اللهم علّمنا كيف نُدير أنفسنا قبل أن نُدير الآخرين. علّمنا أن نكون صادقين في الخفاء كما نبدو في العلن. اجعل شعارنا فاستقم لا شعارًا في جدار، بل سلوكًا في القرار. ازرع في مؤسساتنا رحمةً تُداوي، وعدلًا يُبقي، وضميرًا لا ينام. واجعل منّا أمناء على العمل كما نحن عبّادٌ في المحراب.” هكذا انتهى الحوار الذي لم يشهده التاريخ بين الإدارات الثلاث. لكن صوته بقي يتردد في داخلي كل صباح، حين أفتح عيني على مشهد المؤسسة وأسمع في أعماقي همسًا يقول: “استقم… فالإدارة ليست مهنة، بل شهادة على صدقك مع الله والناس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top