حين تكلم الضمير المؤسسي وقال: فاستقم

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم يكن في تلك الليلة ضجيج يعلو على صمتٍ عميقٍ يسكن المكاتب بعد انصراف الجميع، إلا أن ثمة صوتًا واحدًا ظلّ يقظًا، يتهادى بين الجدران التي شهدت اجتماعاتٍ طويلة وقراراتٍ مثقلة بالنيات، إنه صوت القيم، ذلك الراوي الخفي الذي يعيش بين أوراق الخطط وأروقة الاجتماعات، يراقب ولا يُرى، يسمع ولا يُسمع، لكنه يعرف – يعرف تمامًا أن المؤسسة، أيًّا كانت، لا تُبنى بالإجراءات بقدر ما تُبنى بالضمائر.

تكلم الضمير المؤسسي في تلك الليلة كمن يقرأ في سجلّ الغيب: “ما أرهقني ليس العمل، بل ضعف النية خلفه. وما أرهق الجدران حولي هو حديثٌ كثير لا يحمل في طيّاته فِعلًا. لقد رأيتُ من يركض ليُحسن صورته قبل أن يُحسن عمله، ومن يبتسم في وجه زميله وهو يخشى تفوقه عليه، ومن يسأل عن معلومة لا لينفع بها، بل ليُمسكها كالسيف على الآخرين. كان الضمير يتحدث بلغة من يعرف خفايا المكاتب وسرائر القلوب. كانت فلسفته في الإدارة لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بالهيكل التنظيمي، بل بما يسكن القلوب من نيةٍ تُنير الطريق. كان يقول في حكمته الخالدة: “إن المؤسسات لا تسقط لأنها ضعيفة، بل لأنها تفتقد من يقول في وقت الانحناء: فاستقم.”

في الصباح، دخل العاملون وقد بدت على وجوههم تلك الطمأنينة العابرة التي يمنحها الروتين. جلسوا على مقاعدهم، وتوزّعت النظرات بين شاشةٍ تُراقب مؤشرات الأداء وأخرى تُطالع هواتف لا تنام. وكان الضمير – هذا الراوي الحكيم – يمرّ بينهم في هدوء، يتأمل كل وجه كما إن كان مرآة لما في الداخل. رأى أحدهم، في زاويةٍ بعيدة، ينقّل أخبار الزملاء بين المكاتب. لا حقدًا، بل عادةً يظنّها غير مؤذية. اقترب منه الضمير وقال بصوتٍ لا يُسمع إلا في القلب: “يا من تحسب الكلمة ريحًا، ألا تعلم أن الكلمات التي تُقال في غياب أصحابها، تسكن الجدران ثم تخرج في القرارات؟ فاستقم”.

ورأى آخر، في قلب الإدارة، يبالغ في تزيين تقاريره ليحصل على رضا رؤسائه، فيُخفي خللًا هنا ويجمّل هناك، حتى غدت الحقيقة ضيفًا نادرًا. عندها همس الضمير إليه: “لا تزرع في الأرض ما لا يثمر صدقًا. فكل رقمٍ زائفٍ ينبت يومًا واقعًا مرًّا. فاستقم.” ثم وقف أمام من يلتزم بكل نظام، لكنه فقد حرارة الإيمان برسالته، فغدا أداءه ميكانيكيًّا باردًا، كآلةٍ بلا روح. قال له الضمير برفقٍ شديد: “الاستقامة ليست صلابةً جامدة، بل يقظة القلب عند كل تفصيل. قم بعملك كأن العالم ينتظر من خلالك نورًا لا يُشعل إلا بصدقك. فاستقم.”

مرّ يومٌ تلو آخر، وكأن الضمير كان يعقد دورةً تدريبية من نوعٍ آخر – دورة لا تُعلن في البريد الإلكتروني، ولا تُدوّن في السيرة الذاتية، لكنها تُغيّر ملامح المؤسسة من الداخل. وبينما كان الراوي يتجول في تلك المساحات الهادئة، لمح مجموعةً من الأفراد يشبهون الحجارة الكريمة وسط الركام، لا يطلبون مدحًا ولا مكافأة، يبتسمون في وجه العمل الصعب، يحملون في صدورهم تلك النية الطيبة التي تحفظ للمكان هيبته. قال في نفسه وهو يراهم: “أولئك الذين لا يُعرفون في لوحات التكريم، هم في ميزان القيم أعظم أبطال المؤسسة. لأنهم يعملون لله، لا للعدسات. فاستقيموا كما أُمرتم.”

وفي زاوية أخرى، وقف أمام مسؤولٍ كبير كان منشغلًا بتصحيح أخطاء غيره أكثر من تطوير ذاته. اقترب منه الضمير وقال بنبرةٍ تفيض بالحكمة: “يا من ترى القصور في الناس، انظر أولًا إلى المسافة بين ما تقول وما تفعل. فالإدارة التي لا تُربي نفسها على النقد الذاتي، تُنجب جيلًا من المقلدين لا من المبدعين. فاستقم.” كانت الكلمات تمرّ على العقول كنسمةٍ لا تُرى، لكنها تترك أثرًا عميقًا. فبعضهم تغيّر دون أن يدري لماذا، وبعضهم قاوم صمته حتى كاد يسمع نفسه للمرة الأولى.

في إحدى تلك اللحظات التأملية، استحضر الضمير المؤسسي كلمات: “قيمة كل امرئ ما يُحسنه. ثم تأمل في معنى الإحسان، لا كجودةٍ في الأداء فحسب، بل كإخلاصٍ في القصد، لأن المؤسسة التي لا تُحسن نيتها، لا تُحسن عملها ولو أتقنت الشكل كله. ثم تذكّر حكمة من قال: “الضمير هو البوصلة التي تُرشد الإنسان عندما تضل البوصلة الخارجية.” وقال في نفسه: “والمؤسسات بحاجةٍ إلى ضميرٍ جماعيٍّ لا يضلّ مهما تغيّرت الاتجاهات.” ولم يلبث أن استدعى مقولة: “المستقبل ينتمي إلى من يُعدّ له اليوم.” فابتسم الضمير وقال: “وإعداد المستقبل لا يبدأ بالخطة، بل بالنية التي تُكتب بها الخطة.”

تبدّلت الأيام، وبدأت ملامح المؤسسة تتغير. لم يعد أحد يتحدث عن “إدارة الموارد البشرية” بقدر ما يتحدث عن “إدارة النيات”. لم يعد الموظفون يخشون من السؤال أو الخطأ، لأن الخطأ صار فرصةً للتعلم لا للتوبيخ. صار في الاجتماعات شيءٌ يشبه الصدق الجمعي، وفي الممرات دفءٌ لم يكن من قبل. صارت المعلومات تُتداول لا كمادة للهيمنة، بل كجسرٍ للتكامل. الضمير المؤسسي كان يبتسم، لا لأن كل شيء صار مثاليًّا، بل لأن المسار تغيّر، والقلوب بدأت تفهم أن “الاستقامة” ليست شعارًا مكتوبًا على الحائط، بل طاقةٌ خفية تجعل المؤسسة تمشي مستقيمةً حتى في طريقٍ مائل.

وفي نهاية اليوم، كتب الضمير المؤسسي على ورقةٍ صغيرة تركها على طاولة المدير:“أيها الإنسان قبل أن تكون مسؤولًا، لا تدع المؤسسية تسرق منك إنسانيتك، ولا تجعل التنظيم يبتلع روحك. كن كما خُلقت: متوازنًا بين العقل والقلب. واعلم أن النجاح بلا قيمٍ سقوطٌ مؤجل، وأن أعظم إنجازٍ هو أن تبقى مستقيمًا حين ينحرف الجميع. ثم مضى صوته كالموج، ينساب في أروقة المؤسسة، يلامس العقول ويُحيي الضمائر. لقد أدرك الجميع، دون أن يقول أحد، أن الضمير هو أعظم مديرٍ لا يُعيّن ولا يُقال، وأن “فاستقم” لم تعد شعارًا على لوحة، بل نبضًا يجري في شرايين المؤسسة.

ومنذ ذلك اليوم، كلّما اجتمعوا لمناقشة أداءٍ أو مشروعٍ أو خطة، كان هناك حضور خفي يملأ المكان، حضورُ ذلك الصوت الذي لا يُرى، لكنه يُذكّرهم دائمًا: “إن أردتم البقاء، فاستقيموا.” ومنذها، لم تعد المؤسسة تبحث عن التميز في الخارج، بل عن الصدق في الداخل، ولم تعد ترى الإنسان أداة، بل رسالة تمشي على الأرض. وهكذا، كتب التاريخ في سجله: أن هناك مؤسسة لم تشتهر باسمها بقدر ما اشتهرت بضميرها، ولأنها استقامت، استمر عطاؤها ولأنها آمنت أن “الاستقامة لا تعني الكمال، بل الثبات على الطريق الصحيح”، خلّد الله أثرها في النفوس قبل الأوراق. “فاستقم… فالحياة المؤسسية لا تعلو إلا بضميرٍ يقظٍ، وإرادةٍ نقيةٍ، ونَفَسٍ لا يملّ من الإصلاح.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top