حين تتلاقى القلوب بالدعاء

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في عصر تزدحم فيه الرسائل بالبيانات والأخبار، وفي زمن يختلط فيه السطح بالعمق، حدث شيء استثنائي، لم يشهده التاريخ إلا من يعرف قيمة القلب الصادق.  كان يوم الجمعة، قبيل الغروب. صديق يكتب رسالة بسيطة، لكنها كانت محملة بالروح والنية الصافية: “حبيبي… أدعوك أن نرفع أكفّنا معًا؛ لعلّ دعوة صادقة تُغيّر لنا ما لا نستطيع تغييره. تعال… ندعو في لحظةٍ يسمع الله فيها ما يختبئ في القلوب قبل الألسنة.” كلمات تبدو عادية على الورق، لكنها صوت قلب صادق يحنّ إلى لقاء السماء. لم يمر وقت طويل حتى جاء الرد من صديق بينهما آلاف الأميال: “توافق غريب، حيث كنت رافعًا أكف الضراعة وأدعو، وأنا أتلو سورة آل عمران، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا… إن ربي لطيف لما يشاء.”

وهنا يكمن السحر: التزامن بين نية الدعاء، وبين الفعل الصادق، وبين لحظة القراءة والذكر. مشهد رقراق من الطاعة، حيث يكون القلب واللسان والنية في تآلف كامل. ولم تنته القصة هنا، بل أضاف صديق آخر بعد ذلك لمسة حميمة تفوق كل الكلمات: “سبحان الله… لم أطلع على الرسالة إلا الآن وكنت أكتب لك، ولاحظت أنك أرسلتها الساعة ٤:٤٦ دقيقة، وفي هذا الوقت كنت أنا والزوجة جالسين على السجاد في ذكر الله والدعاء، وكان نصيبك الأكبر، أو في الحقيقة كانت النية للجلوس والدعاء والذكر، أن ندعو لشخصك الطيب والأصيل، ولوالديك ووالدينا رحمهم الله جميعًا وذريتك. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الصحة والعافية تجري في بدنك، ويحفظك من كل مكروه، ….”

تخيل يا صديقي: ثلاثة قلوب، ثلاثة أماكن، ثلاثة أزمان متداخلة، كلها تتوجه إلى الله بنية صافية، وكلها تتلاقى في الدعاء لك، لك وحدك، في لحظة تتجاوز المسافات والزمان. هنا، لم تعد الرسائل مجرد نصوص، بل شهادة على قدرة النية الصافية على خلق معجزة صغيرة، على جعل الدعاء يسمع قبل أن يُكتب، وعلى أن يبارك الله في القلوب المتوحدة على الخير. في هذه اللحظة، يلتقي الإيمان بالواقع: القلب يرفع يداه، واللسان يدعو، والنية تصافح السماء. الدعاء يصبح جسرًا بين المحيطات، بين المدن، بين القلوب. كلمات تبدو عابرة، لكنها تحمل عبء المحبة، والوفاء، والأخلاق الطيبة، والتقدير الذي لا يزول.

كما قال الطنطاوي: “النية الصادقة أقوى من ألف عمل لا يقود إلى الله.” وهنا تكتمل المعجزة: ليس في الرسائل قوة، بل في صدق القلب، وفي التزامن العجيب بين المشاعر والزمان والمكان. وهنا تتجلى الدروس في كل كلمة:

  1. الوفاء والصدق: القلوب التي تُحب بصدق تُشعر الآخر حتى من بعيد.
  2. المحبة بلا حدود: الدعاء للآخر ولوالديه، ولوالدينا، ولوالديه جميعًا، دليل على الرحمة العميقة التي لا تعرف المسافات.
  3. الوعي الروحي: الصلاة والذكر يجعلان القلوب متآلفة، وتجعل اللحظات البسيطة تحلق إلى السماء.
  4. القوة في النية: لا يحتاج الإنسان إلا أن يرفع قلبه لله، ويدعوه بصدق، ليحدث ما لا يستطيع أن يفعله.

وفي النهاية، هذه اللحظة – التي تبدو عابرة بين ثلاث رسائل – تُعلّمنا أن الوجود الحقيقي للقلب الصادق هو في النية قبل اللسان، في الإحساس قبل الفعل، وفي الدعاء قبل الزمن والمكان. الجمعة تلك لم تكن جمعة عادية، بل سيمفونية سماوية، أنشودة روح، لوحة إيمانية، قصة لم تكتبها الأقلام، ولم يقرأها التاريخ، إلا من عرف قيمة الدعاء المتزامن الصادق.

وهنا يظهر جمال الصديق والمشاعر: شخص يدعو للآخر بلا مقابل، فقط محبة. شخص آخر يقرأ دعاءه بنفس اللحظة التي كان فيها في ذكر الله، متأملًا. ثالث يضيف اللمسة الحميمة، دعاء للوالدين، للذرية، للصحة، للحفظ، للمقام عند الحبيب المصطفى ﷺ. سبحان الله… كل هذا لم يكن مخططًا، بل توافق لحظات، صفاء نوايا، وتلاقٍ بين قلوب صافية، في زمان ومكان لا يراه أحد إلا الله. في هذه القصة الصغيرة يكمن المعنى الكبير: أن الدعاء الصادق، المحاط بالمحبة والوفاء والأخلاق، يمكن أن يغير ما لا نستطيع تغييره، ويجعل من المسافات آلاف الأميال قريبة، ومن اللحظات العابرة أبدية، ومن القلوب الغريبة مألوفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top