|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
لم يكن الليل ليلًا تلك المرة، كان ستارًا كثيفًا يعلّق ثلاثة أصوات في الهواء… مديرًا تنفيذيًا تُثقِله الظروف، ومديرًا عامًا يحرس بوابة القرار، وخبيرًا استراتيجيًا ينصت وكأنه ينسّق موسيقى المستقبل. لم تكن بينهم أوراق، ولا بنود، ولا مقترحات جاهزة. كان بينهم شيء واحد فقط: الصدق.
صوت المدير التنفيذي جاء أولًا… هادئًا، مبحوحًا بعافية تتعب أحيانًا وتتماسك أحيانًا. “إخواني… غرب أفريقيا أثمن عندي من اسمي، لكن صحتي تهمّكم كما تهمّني، ولا أريد أن أكون عبئًا على عملٍ يستحق كل قوة.” لم يقاطعه أحد. فكل كلمة خرجت منه كانت تشبه حجرًا أُلقي في بحيرة واسعة لتكشف عمقها.
المدير العام تنفّس بعمق، كأنه يهيئ قلبه قبل لسانه: “يا أبا… أنت لست موظفًا نحرّكه من دولة إلى أخرى. أنت روح مشروع. ونقل الروح ليس كالنقل الإداري. نحن نريدك حيث تستقر، وحيث تُشفى، وحيث تستعيد عافيتك… وحيث تستطيع أن تُشرف على غرب أفريقيا بقلب مرتاح إلى أن تجد أنت بنفسك البديل الذي يليق بالمكان وبالرسالة”.
ثم جاء صوت الخبير الاستراتيجي… خفيفًا، دقيقًا، كمن يضع خطًا تحت الكلمات لا فوقها: “أمامنا خياران… قطران، شرق وغرب. لكننا لا ننظر إلى الخريطة… ننظر إلى الإنسان. الآن، لنقارن بوضوح… بدون تجميل، بدون مجاملة”. وهنا بدأ الحوار الذي لم يُكتب في أي كتاب إدارة، ولم يدرّس في أي جامعة.
بين شرقٍ يتنفس استقرارًا… وغربٍ يزخر بالتحديات
قال المدير التنفيذي، وكأنه يمسك قلبه بيده: ” في الشرق… الطب أفضل، الخدمات الصحية أدق، والبيئة الهادئة تعين على التشافي. في الغرب… القلب موجود، لكن الجسد يتعب. أريد أن أعطي المؤسسة قوتي، لا أن أنتزع منها وقتًا للمرض”.
ردّ المدير العام وكأنه يضع ميزانًا من ذهب: “الشرق يقدّم لك استقرارًا، وتعليمًا أفضل للأبناء، وطمأنينة اجتماعية، وخيارًا طويل المدى. الغرب يقدم حرارة التجربة، لكن لا يمنحك ذات السكينة. ونحن نبحث عن حياة كاملة، لا عن مهمة فقط”.
الخبير الاستراتيجي أكمل المقارنة برؤية من أعلى: ” المستقبل يا رجال… ليس في أن نختار موقعًا، بل في أن نصنع توازنًا. المدير التنفيذي يستقر في الشرق صحيًا وأسريًا، ويظل مشرفًا على الغرب… حتى يجد هو بنفسه الطاقة القيادية المناسبة، ويؤهّلها، ويُسلّمها الشعلة.” ثم ساد صمت طويل… جميل… من النوع الذي يسبق الولادة.
لم ينقلوا رجلًا، بل نقلوا قلب مؤسسة
لم يأخذ مجلس الإدارة وقتًا طويلًا، لأن الثقة مسبوقة بالمعرفة. لكن المفاجأة جاءت بعد سفر المدير التنفيذي إلى الشرق، حيث قال بصوته الصادق: “أشعر براحة هنا… كأن جسدي يستعيد نفسه. ولكن، اسمحوا لي أن أقول أمرًا… الاستقرار هنا لا يلغي حنيني للغرب، ولا إيماني بأن وجودي فيه مهم. وربما أحتاج أن أكون قريبًا منه أكثر مما توقعت”. لم يكن حديثه اعتراضًا، بل بوحًا مهنيًا نادرًا، لا يصدر إلا من قائد يعرف أن القرار ليس ورقة، بل أثر.
ردّ المدير العام بلا مسافة: “أنت فوق القرار، لا تحته. إن رأيت أن يكون لك حضور ميداني دوري في الغرب، فذلك حقك، ما دام استقرارك الصحي والأسري في الشرق ثابتًا”.
أما الخبير الاستراتيجي فابتسم ابتسامة يسمعها السامع قبل أن يراها: “القيادة يا سادة لا تُقاس بكم تبقى في مكان، بل كم تترك أثرًا في مكان. أنت في الشرق جسدًا، وفي الغرب أثرًا. وهذه معادلة نادرة لا يصنعها إلا القادة الكبار”.
تتشكل حسب الحاجة ولا تنكسر
ثم دار الحديث الذي كان يُمكن أن يكون صدامًا في أي مؤسسة أخرى، لكنه هنا كان حوارًا رقيقًا بين عقول تحترم بعضها:
- المصلحة العامة = الظروف الخاصة
- الاستقرار الصحي = الاستقرار المؤسسي
- القوة البشرية = القدرة على الاستمرار
- الموقع الجغرافي = موقع القلب
قال المدير التنفيذي بصوته المبلل بالإخلاص: “أريد أن أنجز… وأنتم تمنحونني بيئة الإنجاز. أريد أن أكون في الشرق لأستعيد قوتي، وأن أظل مشرفًا على الغرب كأنني فيه”.
أجاب المدير العام: “نحن لا ننقل قائدًا… نحن ندعم رجلًا نحتاجه. وأنت تختار فريق الغرب، ونحن نثق أنك لن تختار إلا من يخدم الرسالة”.
وقال الخبير الاستراتيجي: “سيذكر التاريخ هذا القرار… ليس لأنه إداري، بل لأنه إنساني”
حين يصبح الحوار وثيقة قيم
في نهاية الأثير… لم تُغلق الأجهزة. بقيت لحظة صامتة، فيها امتنان غير منطوق. فهذا الحوار لم يكن نقاشًا وظيفيًا، بل درسًا عالميًا في القيادة الرشيدة الرشيقة:
- قيادة ترى الإنسان قبل الموقع
- وتفهم أن القائد قد يمرض، لكن رسالته لا تمرض
- وتعرف أن المكان لا يصنع القائد… بل القائد هو الذي يصنع المكان
- وأن الشفافية ليست كشفًا للضعف، بل إعلانًا للقوة
هكذا وُلد قرارٌ لم يكتبه محضر… ولم يدوّنه تاريخ… لكنه بقي في الذاكرة كأرقى ما يمكن أن يُقال في عالم الإدارة.