عبد الرحمن الشوادفي… رجلٌ من ضوء، وميلادٌ لا يموت

Getting your Trinity Audio player ready...

محمد تهامي

في زمنٍ يمرّ الناس فيه مرور الغريب، ويعبرون الحياة كما يعبر ظلٌ على جدار، تولد بين حينٍ وآخر روحٌ لا تشبه أحدًا… روحٌ إن جلستَ معها لحظة أيقنتَ أن الله ما زال يرسل للناس عطاياه في هيئة بشر. من هذا الطراز النادر جاء عبد الرحمن الشوادفي ـ رحمه الله ـ لا كاسمٍ في سجل، بل كقصةٍ تمشي، وخلقٍ ينساب، وأثرٍ يزرع نفسه في القلوب دون استئذان. فهو من مواليد 1978، ليس ابن يومٍ ولا ابن صدفة، بل ابن نبتٍ صالح، ووالدين عُرفا بالإيمان والتهذيب والصفاء، حتى قالت الأيام عنهما: “هكذا يُربّي أهل السماء أبناءهم.”

ولأن الفضيلة تورّث كما يورَّث الذهب، خرج عبد الرحمن من بيتٍ يضيء من الداخل: أبوه أبو محمد الشوادفي- أطال الله في عمره وأحسن عمله- الذي لُقّب بأبيالأيتام، رجلٌ عاش بين الأرامل والمساكين، يطعمهم من عمره قبل ماله، ويربّت على رؤوسهم قبل أن يربت على كتفي نفسه. وأمّه أم محمد الشوادفي – رحمها الله-كانت من نورٍ يكتمل به النور: هدوؤها عبادة، وصمتها دعاء، وملامحها مدرسة. في هذا البيت نشأ عبد الرحمن، طفلًا يحمل في ملامحه مسحة وقار لا تليق إلا بالكبار، وشابًا يخطو كأنه يعرف أنه لم يُخلق ليعيش عابرًا.

فصل البدايات

شاء القدر أن تنتقل الأسرة إلى بنغلاديش عام 1994، تلك الأرض التي لا تعرف إلا الشظف والكدح، وهناك ظهرت أول ملامح القدَر الذي كُتب له قبل أن يولد. أكمل المرحلة الثانوية في بيئة جديدة تمامًا، لكنه لم يحتج طويلًا ليُظهر ذاته. ففي تلك الفترة، وهو لم يبلغ السابعة عشرة، أصرّ – بلا تردد – على التطوع في إحدى المؤسسات الخيرية، دون أن يتقاضى تكا واحدةً، كان يعمل في مشاريع الإفطارات، والأضاحي، والإغاثات، خاصة وأن بنغلاديش في تلك الحقبة كانت الإغاثة فيها على مدار العام. ومن هنا… انكشف معدنه الحقيقي، وبرزت بدايات مهاراته: لغة تتعلّم بحدس، وكرم يولد بالفطرة، وانفتاح على الناس كأنه خُلِق بينهم منذ قرون، معرفة بالسوق، وتمييز للموردين، وقدرة على قراءة نوايا المنافسين. ومن فرط تميزه… عُرض عليه عام 2001 الانضمام رسميًا للعمل في المؤسسة، ليكون مراقبًا والمسؤول عن المشتريات لمجمع دوحة الخير في أشوليا-أحد الأحياء المترامية- التي تتنفس التحدي كل صباح. فأبلَى بلاءً حسنًا، وبدأت بصمته المهنية تتشكل بثقة رجلٍ تجاوز الخمسين… وهو ما زال في مطلع شبابه.

 الأسرة التي تحتضن الغرباء كالأبناء

في تلك السنوات نفسها… كان هناك طالبٌ جاء إلى بنغلاديش في بداية المرحلة الجامعية، لا يعرف بلدًا ولا ناسًا. فاحتضنته أسرة الشوادفي: الأب أبو محمد، الأم أم محمد، والإخوة: محمد، وعبد الرحمن، وبوبكر، وأسماء، وأنس. لم يعاملوه كضيف… بل كأحد أبناء المنزل، في المعيشة، والاجتماعيات، والدفء الأسري. اكتمل شبابه بينهم، وأكمل دراسته الجامعية، ثم رحل إلى ماليزيا لإكمال تعليمه. وكان مشهد المغادرة يومها حدثًا يليق بالروايات: كأنها مراسم وداعٍ تكتب في الخيال. ومرت الأيام… وأراد الشاب الزواج، ففاجأه أبو محمد الشوادفي بقراره: “يسافر عبد الرحمن إلى ماليزيا ليقف معك كتقاليد أب يزوّج ابنه.” ذهب عبد الرحمن… أبًا وأمًا وأخًا وأختًا. حتى قال العريس لقرنائه: “إن لم يعرف الناس، لظنوا أن هذا الرجل أحد أفراد أسرتي من شدّة وفائه.”

فصل التكليف

بعد انضمامه الرسمي للمؤسسة عام 2001، بدأ عبد الرحمن يترك أثره الحقيقي: كان يطأ أرضًا مزدحمة، يتحرك في أسواق ضيقة، يتعامل مع موردين يشترطون أكثر مما يعطون، ويقف أمام منافسين لا يعرفون من الرحمة إلا اسمها. ومع ذلك… كان ثابتًا، واثق الخطوات، رزين العقل. أتقن اللغة البنغالية – كتابة ومحادثة – كأنها لغته الأم. ليس من كتب، بل من صدق النية حين يريد أن يخدم الناس بلغتهم. جمع بين: أعلى جودة… أقل سعر… أعظم أمانة. لأنه كان يفهم أن المال الذي بين يديه أمانة لا تُمسّ… وأن التوفير ليس بُخلًا، بل زيادة في رصيد المشروع، وأن الله يبارك لمن يُخلص. فأصبح أهل السوق يرونه مرجعًا: في التقييم، وفي الأسعار، وفي قراءة الخفايا، وفي كشف النيات التي لا تُكشف إلا للصادقين.. وهكذا… وفّر من ميزانية البناء ما أسهم في تطوير المشروع، وتحسين منشآته، وتشغيل وحداته، وضرب المثل للمقاولين في باقي المشاريع، إذ أصبحوا يقيسون أنفسهم بمقياسه: إتقان بلا ضجيج، وأمانة بلا تكلّف.

فصل العلم

وسط الجهد والعمل، لم ينسَ عبد الرحمن العلم. التحق بالجامعة الإسلامية، ثم أكمل الماجستير والدكتوراه في ماليزيا. وإن وصفته في تلك المرحلة بكلمة لقلت: “وفاء.” لم ينس أحدًا: لا أهله، ولا أصدقاءه، ولا من احتاجوا له، ولا الذين أوصوه. حين سافر الابن طارق إلى ماليزيا 2010، كان عبد الرحمن الأخ الأكبر الذي لا يتأخر. وحين رغبتُ في الالتحاق بإحدى الجامعات الماليزية عام 2018، كان أول من رافقني، يدفع الرسوم، يقف بجانبي، يستقبلني بوجهٍ يعرف معنى الإخلاص. وفي تلك الفترة احتضن والديه في ماليزيا، يعتني بهما كأن البرّ خُلق لأجله، حتى قال التاريخ عنهما: “هذا ابنٌ وفّى… حتى ظن الوفاء أنه وُلد منه.”

من ماليزيا إلى تركيا إلى الفلبين… ثم العودة إلى تركيا برًّا بوالديه

انتقل عام 2021 إلى تركيا لمواصلة عمله الخيري. ثم اتجه إلى الفلبين، حيث كان آخر عهده بالدنيا رعايةً للأيتام. ثم حدث ما يشبه المشهد الإلهي المرسوم: بعد استقرار والديه في تركيا، ترك عبد الرحمن الفلبين عام 2020 وعاد إلى تركيا ليكون إلى جوارهما بين 2020 و2022، يلبي حاجاتهما ويقوم بخدمتهما. وفي هذه الفترة التحق بإحدى المؤسسات التركية، ثم عاد مرة أخرى إلى الفلبين، واستقبل والديه هناك فترة ليست بالقصيرة، كأن الرحمة نفسها تلاحقه أينما ذهب.

عبد الرحمن كما عرفه الناس

كان يملك جمالًا لا يُرى بالعين، بل بالقلب: تواضع بلا تكلف، كرم يشبه المطر، صوت خافت يحمل قوة الحق، جناح خافض لكل محتاج، رغبة دائمة في الاستشارة، ونقاء يُدهش حتى الذين لا يندهشون. وكان أجمل ما فيه… أنه لا يترك أحبابه حتى في الرسائل العابرة. كانت آخر رسالتين منه: 22 أكتوبر 2025: “الحبيب الغالي بو طارق… تذكرتك فأحببت الدعاء لك والسلام عليك.” 06 نوفمبر 2025: ” تذكرتك في دعائي… فلا تنساني في دعائك. أحبكم في الله.” لم تكن رسائل… كانت نبضًا يُرسل نفسه قبل حروفه.

فصل الرحيل

السبت 29 نوفمبر 2025… رحل عبد الرحمن. لكن الذين تلقوا الخبر لم يشعروا أنه مات…
بل عاد إلى موطنه الأول: حيث توزن النيات، وتكتب الأعمال، ويُفتح كتاب الذين أعطوا ولم ينتظروا شيئًا. مات في ميدان الخير، بين الأيتام والضعفاء… وكأن السماء كتبت على جبينه: ” هكذا يموت أهل الصفاء… في أماكن الصفاء.”

كيف يخلَّد رجل؟

قال الفاروق عمر رضي الله عنه: ” إن استطعت فكن عالمًا، فإن لم تستطع فكن متعلمًا، فإن لم تستطع فأحبّهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم”. وعبد الرحمن… جمع الثلاثة. تعلم، وأحب، ولم يبغض أحدًا. وقال علي بن أبي طالب: “قيمة كل امرئ ما يحسن” وقيمة عبد الرحمن… كانت في إحسانه لا في عمره، وفي وفائه لا في شهاداته، وفي نقائه لا في ألقابه. ولذلك… لن يموت.

 نداء إلى الدنيا كلّها

هكذا تُقاس الأسر… وهكذا تولد الأخلاق، يا دنيا…يا من تفتنين بالخطباء، وتسطحين العمق، وتخطئين في موازين الرجال…انظري إلى هذا النموذج. إلى هذا البيت الذي خرج منه أبو الأيتام، ثم خرج منه عبد الرحمن… واعرفي أن الأمم تُقاس ببيوت، لا بزحام. وتنهض برجال، لا بخطباء. ويا من تظنون أن الأخلاق كلمات… ها هو مثال – حيّ، أو ميتٌ حيّ – يثبت أن الأخلاق سيرة تُعاش لا شعار يُرفع. ورحم الله من قال: “من عاش لله، عاش كبيرًا… ومات كبيرًا… وبقي كبيرًا في الأرض والسماء”.

ومن القلب دعاء

اللهم يا واسع الرحمة، ارحم عبدك عبد الرحمن الشوادفي رحمة تُفيض ولا تنقطع. واجعل قبره روضة من رياض الجنة، ونورًا لا يعتريه ظلام، وفرحًا بلا خوف، وطمأنينة لا يعقبها وجع. اللهم اجزه عن الأيتام الذين لمس قلوبهم، وعن الأرامل الذين مسح دموعهم، وعن الرفقاء الذين لم يتركهم، وعن والديه الذين برّهما حتى آخر نفس. اللهم اجعل حسناته أنهارًا تسقيه، وأعماله جسورًا تعبر به إلى جناتك، وأثره شفاعةً له يوم يلقاك. اللهم… إن كان آخر عهده في ميادين الخير، فاجعلها خاتمة ترضى بها عنه. اللهم… اجعل اسمه في الخالدين، وأثره في الصالحين، وروحه في عليّين، وألهم أهله ومحبيه الصبر الجميل. وإنا لله وإنا إليه راجعون. رحمك الله يا عبد الرحمن… كنت جميلًا حيًّا… وأجمل حين مضيت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top