دعوةٌ بسيطة… فتحت بابًا من الغيب

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الدعوة أكثر من عبارةٍ دافئةٍ قالها صديق عزيز عقب صلاة العشاء: “تشرفنا بشايٍ بسيطٍ على المهل.” لم يكن في الأمر ما يُنبئ بأن الليل سيحمل ما هو أبعد من دفء الأكواب ورائحة النعناع. خرجنا من المسجد، والسكينة تمشي معنا كما تمشي الملائكة خلف الصفوف المنتظمة. كان الهواء باردًا قليلًا، والسماء صافية كأنها تستمع.

جلسنا في مجلسٍ يعرف أهله معنى اللقاء بعد الصلاة. لا تكلف، لا رسمية، فقط وجوهٌ يغسلها نور العشاء، وأحاديث تبدأ خفيفة كما يبدأ البخار فوق الشاي، ثم تتكاثف. في البداية دار الحديث حول أحوال الناس، ومشروعاتٍ هنا وهناك، وأخبار العمل الخيري الذي لا ينام. ثم، دون ترتيبٍ مسبق، نطق أحدهم اسمًا… كأنما استدعى نجمًا من الذاكرة: “العزيز عبد اللطيف الهاجري… أبو عبد الرحمن… رحمه الله.” فإذا بالمجلس يتغيّر إيقاعه. لم يعد الشاي هو البطل. صار الاسم.

حين يُذكر الصالحون… تنزل الرحمة

ما إن ذُكر اسمه، حتى رأيت بأم عيني كيف يمكن لذكر رجلٍ أن يُحوّل مجلسًا إلى محراب. انهالت الرحمات والدعوات عليه من الحضور كأنها مطرٌ مباغت. “اللهم اغفر له، اللهم ارفع درجته، اللهم اجزه عنا خير الجزاء.” لم يكن الأمر مجاملة. كان حنينًا. قال أحدهم وهو يبتسم ابتسامة من عرف الوفاء: “أبو عبد الرحمن هو الذي عرفنا على العمل الخيري الحقيقي… كان لا يختار مشروعًا عابرًا، بل مشروعًا يبقى.” وأضاف آخر: “كان إذا قابلك، أشعرك أنه يعرفك من سنوات طويلة… أدبٌ يسبق كلامه، وتواضعٌ يسبق اسمه.” وقال ثالث وقد رقّ صوته: “علمني أن المشروع الذي لا يعيش بعدك… ليس مشروعًا، بل صورة.” كنت أراقب الوجوه. كلّ واحدٍ منهم يملك موقفًا معه. ذكرى. قصة. نصيحة. ابتسامة. مشروعًا بدأ بفكرةٍ وانتهى بمؤسسة. كأن الرجل لم يمت… بل توزّع في القلوب. ثم قيل – على نحوٍ عابرٍ ظاهريًا -: “اقترب موعد وفاته للعام الرابع عشر.”فصمت المجلس.

أربعة عشر عامًا… أم أربعة عشر نبضًا؟

“معقول؟!” قالها أكثر من واحد. “كنا نظنها ستة أو سبعة أعوام فقط!” قيل لهم: “وفاته كانت في 09 مارس 2012.” ساد المجلس صمتٌ ليس فيه حزنٌ بقدر ما فيه دهشة. أربعة عشر عامًا؟ كيف مضت هكذا؟ كيف لم نشعر بثقلها؟ كيف ظل اسمه حاضرًا حتى ظنناه قريب الغياب؟ عندها أدركت معنى قول بعض الحكماء: “الرجال لا يُقاسون بأعمارهم… بل بامتداد أثرهم.” هناك من يعيش سبعين عامًا ولا يُحدث موجةً واحدة. وهناك من يرحل، فيبقى البحر يتحرك باسمه. أبو عبد الرحمن لم يكن مجرد داعمٍ لمشروع، ولا متبرعًا عابرًا، ولا اسمًا يُكتب في قائمة. كان روح رؤية.

روح الرؤية… لا روح المناسبة

قال أحد الحضور: “كان يختار لك المشاريع ذات الفاعلية والاستدامة… لا يحب المشاريع التي تُشبع عاطفة لحظة، بل التي تُطعم جيلًا.” هنا ارتسمت صورته في ذهني. رجلٌ يرى أبعد من اللحظة. لا يسأل: كم سنُوزع؟ بل يسأل: كم سنُمكّن؟ لا يسأل: كم صورة سنلتقط؟ بل يسأل: كم بيتًا سيستغني؟ وهنا فهمت لماذا ظنّ الحضور أن وفاته أقرب زمنًا… لأن أفكاره لم تشخ. الرؤية إذا كانت صادقة… لا تموت مع صاحبها. بل تتحول إلى منهج. قال آخر: “كان إذا جلس معك، لا يُشعرك أنك أمام رجلٍ صاحب خبرة وسنوات… بل أخ أكبر. يستمع أكثر مما يتكلم.” أدبٌ… تواضعٌ…حبٌّ صادق. تذكرت قول الشافعي: “من نال استغنى عن التكبر.” ومن عرف قيمة الأثر استغنى عن الضجيج.

مجلس الشاي… يتحول إلى مدرسة

لم يعد الحديث مجرد استرجاع ذكريات. صار كل واحدٍ يفتش في داخله: ماذا تركتُ أنا؟ هل سيُذكر اسمي يومًا في مجلسٍ بعد أربعة عشر عامًا؟ هل سيقول أحدهم: علمني… أرشدني… فتح لي بابًا؟ قال أحدهم بصوتٍ خافت: “كان يقول لنا دائمًا… لا تجعلوا العمل الخيري ردّ فعلٍ، بل خطة.” وآخر أضاف: “كان يرى في الشباب طاقة، لا مجرد أيدٍ عاملة… ويعطيك ثقةً قبل أن تعطيه نتيجة.” في تلك اللحظة شعرت أن أبا عبد الرحمن لم يكن رجل مشاريع فحسب… بل صانع رجال. والفرق كبير. المشاريع تُنجز. أما الرجال… فيُنجزون.

حين يتحول الغياب إلى حضورٍ أعمق

غريبٌ أمر الصالحين. يرحلون، فنشعر أنهم اقتربوا. ربما لأن الموت لا يقطع الأثر، بل يكشفه. في تلك الليلة، لم يكن المجلس يتحدث عن رجلٍ مضى، بل عن رجلٍ يعيش في قراراتهم. في طريقة اختيارهم للمشروعات. في حرصهم على الاستدامة. في تقديرهم للأثر بعيد المدى. كأن الرجل وضع في كل واحدٍ منهم بذرة. ومرت أربعة عشر سنة… والبذور تكبر.

الدهشة التي أيقظت القلوب

الدهشة من مرور السنوات لم تكن زمنية فقط… كانت وجودية. أدرك الحضور أن الزمن لا يُقاس بالتقويم… بل بمدى حضور الأسماء في الوجدان. كم من شخصٍ حيٍّ بيننا… لكنه غائب. وكم من راحلٍ… لكنه حاضرٌ كل ليلة. قال أحدهم: “إن كان بيننا الآن، لقال لنا: لا تبكوا على السنوات… بل اسألوا ماذا قدمتم فيها.” وهنا تحولت الدهشة إلى عهدٍ صامت. أن نكمل الطريق. أن نحفظ الرؤية. ألا يتحول العمل إلى عادة.

دعاء يليق برجلٍ امتدّ أثره

وقبل أن ينفضّ المجلس، رفع أحدهم يديه. لم يكن الدعاء رسميًا. كان صادقًا حدّ الدموع. “اللهم يا واسع الرحمة… يا من لا يضيع عندك معروف… إن عبدك عبد اللطيف قد بذل من وقته وماله وفكره ما تعلم، اللهم فأجزل له العطاء كما أجزل للناس العطاء. اللهم اجعل كل مشروعٍ أُقيم بنيته صدقةً جاريةً لا تنقطع، وكل قلبٍ اهتدى بكلمةٍ منه شاهدًا له لا عليه. اللهم آنسه في قبره، وافتح له من أبواب الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. اللهم كما جمعنا على ذكره في الدنيا، فاجمعنا به في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.” آمين…قالها المجلس بصوتٍ واحد. شعرت أن الدعاء صعد سريعًا.

رسالة إلى من يظن أن العمر هو المقياس

عدتُ من تلك الليلة وأنا أفكر: ما الذي يجعل أربعة عشر عامًا تبدو كستة؟ إنه الامتداد. أن يعيش الإنسان بعد رحيله في منهجٍ، في مؤسسةٍ، في قناعةٍ، في قلب. أبو عبد الرحمن – رحمه الله – لم يكن مجرد اسمٍ في سجلّ المحسنين. كان فكرةً تسير على قدمين. كان رؤيةً تتكلم، كان طمأنينةً تمشي في المجالس. والأعمار – يا سادة – ليست بعدد السنين، بل بعدد الأرواح التي تلمسها.

خاتمة… على فنجانٍ لم يبرد

انفضّ المجلس، وبقي أثره. لم يكن الشاي هو ما دفأ قلوبنا، بل ذكر رجلٍ علّمنا أن الخير لا يُقاس بكثرته، بل ببقائه. أربعة عشر عامًا… وما زال اسمه إذا ذُكر، نزلت سكينة. وهنا فهمت سرّ الدهشة: ليس لأن الزمن مضى سريعًا…بل لأن الأثر كان أطول منه. رحم الله أبا عبد الرحمن عبد اللطيف الهاجري، وجعل كل مشروعٍ دلّ عليه نورًا في قبره، وكل دعوةٍ خرجت من قلبٍ أحبه شاهدًا له، وكتب لنا من بعده أن نكون امتدادًا لا انقطاعًا، وأن يجعل مجالسنا عامرةً بذكر الصالحين، فإن في ذكرهم حياةً للقلوب. وما أجمل أن يُقال عن رجلٍ بعد أربعة عشر عامًا: “كأنّه ما زال بيننا.” تلك… ليست صدفة. تلك حياةٌ أُحسن زرعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top