حين ينسحب المعنى بهدوء… حكاية خبرةٍ اختارت الاعتذار حفاظًا على القيمة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لم تكن المؤسسة قد تجاوزت عامها الأول حين قررت أن تبدأ من حيث ينتهي الآخرون. لم تُغرم بالبريق، ولا انشغلت بتكديس الشعارات، بل التفتت إلى ما ظنّته أقصر الطرق إلى النضج: الخبرة. خبرة لم تكن وليدة شهادة، ولا نتاج منصب، بل حصيلة ما يقارب أربعة عقود من العمل، والاحتكاك، والخطأ، والتصويب، والوقوف طويلًا في المناطق الرمادية التي لا تُدرَّس في القاعات ولا تُختصر في العروض التقديمية. كان الرهان واضحًا: أن تتعلّم المؤسسة الصغيرة قبل أن تتورّط في كِبرٍ مبكّر. وأن تستعير الحكمة ريثما تنمو أدواتها. في مثل هذه اللحظات، لا يُستدعى الخبير ليُنفّذ، بل ليُربّي. ولا ليُدير، بل ليُهذّب الإيقاع. ولا ليقول: “افعلوا”، بل ليهمس: “تمهّلوا”.

أربع سنوات… لا تُقاس بالزمن

أربع سنوات مرّت، لم تكن سهلة ولا صاخبة. سنوات من:

            • بناء الإنسان قبل النظام

            • إعادة ترتيب المفاهيم قبل الهياكل

            • تعليم أن القيادة ليست سرعة قرار، بل سلامته

            • وأن المنصب ليس امتيازًا، بل عبئًا أخلاقيًا

كان المدير العام شابًا في التجربة، كبيرًا في الطموح. لم يُفرض عليه أحد، ولم يُحاصر، بل أُحيط بالرعاية. تعلّم كيف يُصغي قبل أن يُقرّر، وكيف يسأل قبل أن يُعلن، وكيف يحتمل الاختلاف دون أن يفسّره تهديدًا. لم يكن الخبير يراه “مديرًا تحت التدريب”، بل مشروع قائد، والمشاريع الكبرى لا تُستعجل. قال أحد الحكماء: “التجربة هي الاسم الذي نطلقه على أخطائنا بعد أن نتعلّم منها.” وكانت تلك السنوات الأربع مليئة بالتجارب، لكنها كانت – في جوهرها – استثمارًا في المعنى.

الرسالة التي لم تكن مجرّد رسالة

ثم، في لحظة لم يُمهد لها، وفي سياق نقاش جماعي على مجموعة عمل، كُتبت رسالة. لم تكن طويلة. لم تكن فاحشة. لكنها لم تكن لائقة بالمقام. لغة قاطعة، نبرة فوقية، إلغاء للتشاور، واختصار فجّ لمسارٍ طويل في سطور باردة. ثم… أُغلق الجروب.

في المؤسسات الناضجة، يُعدّ هذا تفصيلًا تقنيًا. أما في المؤسسات الفتية، فهو حدث رمزي. إغلاق الجروب لم يكن إنهاء نقاش، بل كان – من حيث لا يُدرَك – إنهاء لمرحلة. مرحلة كان فيها السؤال مسموحًا، والاختلاف مأمونًا، والتعلم مستمرًا. قال سقراط قديمًا: “أعظم وهم يمكن أن يقع فيه الإنسان، أن يظن أنه يعرف وهو لم يتعلّم بعد.” وهنا، لم يكن الخطأ في القرار، بل في الطريقة. فالقيادة لا تُقاس بما تُنهيه، بل بما تُبقيه مفتوحًا للحوار.

حين تتشاور البدايات… لا لتبحث عن الحق، بل عن الاتجاه

لم تكن المؤسسة غافلة. تشاور المؤسسون. ليس لأنهم فوجئوا بالحدث، بل لأنهم أدركوا أن ما جرى ليس مسألة إدارية، بل مفترق قيم. هل تُدار المؤسسة بمنطق المنصب؟ أم بمنطق المعنى؟ هل يُحمى الشكل أم الجوهر؟ وهل تُكافأ العجلة أم يُصان النضج؟ في مثل هذه اللحظات، لا تكون القرارات صاخبة، بل ثقيلة. وما يُتخذ فيها لا يُعلن دائمًا، لكنه يُسجّل في الذاكرة العميقة للمؤسسة.

قرار الخبير… حيث يظهر معدن القيادة الحقيقي

هنا، حدث ما لم يتوقّعه كثيرون. لم يغضب الخبير. لم يُصعّد. لم يُطالب بمكانته. لم يُذكّر بأربعين عامًا من العطاء. بل جلس – كما اعتاد – طويلًا مع نفسه. قرأ المشهد لا الحدث. ورأى ما هو أبعد من رسالة، وأبعد من جروب. رأى:

            •  أعراضًا مجتمعية مألوفة

            •  استعجالًا على القطاف قبل نضج الثمار

            •  خوفًا غير معلن من الظلّ الطويل للخبرة

            •   وتحوّل المنصب من وظيفة إلى هوية

وفهم أن الاستمرار هنا لن يكون إضافة، بل مساهمة غير مقصودة في ترسيخ خلل. قال نيتشه: “بعض المعارك تُكسب حين ننسحب منها.” فكتب اعتذاره عن إكمال المسير. لا لأن الطريق صعب، بل لأن الاتجاه تغيّر. ولا لأن الخلاف وقع، بل لأن القيمة التي جاء من أجلها باتت مهددة.

الاعتذار… كأعلى درجات الوفاء

في ثقافتنا الإدارية، يُنظر إلى الانسحاب بريبة. لكن الحكماء يعرفون: ليس كل بقاء شجاعة، ولا كل انسحاب هروب. الخبير لم يعتذر حفاظًا على راحته، بل حفاظًا على المعنى الذي أراد أن يتركه. أدرك أن الخبرة إن لم تُحترم، تتحول إلى ديكور. وأن الصمت في غير موضعه، خيانة ناعمة. قال الإمام علي رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.” وحين لا يعود الإحسان ممكنًا، يصبح الانسحاب إحسانًا من نوع آخر.

ما الذي تكشفه هذه الحكاية؟

هذه ليست قصة مؤسسة واحدة. بل مرآة لكثير من المؤسسات الناشئة التي:

            •   تستعير الخبرة ولا تحتمل ثقلها

            •   تطلب المشورة حتى تختلف معها

            •   تُشيد بالنضج ما دام صامتًا

            •   وتخشى الحوار حين يقترب من القرار

وهي درس للقيادات الشابة: أن السلطة لا تُثبت بإلغاء المساحات، ولا تُحمى بإسكات الأصوات، بل تُرسَّخ بالثقة، وبالشراكة، وبالاعتراف بأن التعلم لم ينتهِ بعد. وهي إنصاف صامت للخبرة: التي لا ترفع صوتها، ولا تطلب تعويضًا، ولا تكتب مذكّرات احتجاج، بل تترك المكان نظيفًا… وتمضي.

خاتمة: سؤال يبقى

بعد كل هذا، لا يبقى السؤال: من أخطأ؟ ولا من أصاب؟ بل السؤال الأعمق: هل نملك الشجاعة لنعتذر عن الاستمرار حين ندرك أن وجودنا لم يعد يخدم القيمة؟

في عالمٍ يمجّد البقاء بأي ثمن، يظل الاعتذار الناضج واحدًا من أندر أشكال القيادة. وهنا… لا يُصفّق أحد، ولا تُكتب بيانات، لكن التاريخ الصغير للمؤسسات يتذكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top