مائدة أبو جنة وأم جنة المتنقلة الثلاثاء 7 رمضان 1447هـ 24 فبراير 2026 – الدوحة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

لم يكن اتصالًا عابرًا بعد صلاة التراويح، ولم يكن صوتًا يمرّ كنسمةٍ خفيفة ثم يمضي. كان في رنّة الهاتف شيءٌ يشبه الطَّرْق على باب الذاكرة، وشيئًا يشبه استئذان القلب أن يفتح نوافذه دفعة واحدة. اتصل العزيز نادي، بصوته الذي تعلّمت فيه الطمأنينة، وقال ببساطة: “أمرّ عليكم قبل سفري للدراسة… الفصل الدراسي الأخير من الجامعة.”

حسبتها زيارة مودّعٍ يستأذن، أو عابر سبيلٍ يطلب الدعاء، فإذا بها مائدة كاملة تتحرّك، وتاريخٌ يُحمَل بين يدين شاب عزيز، وكرمٌ بني سويفيٌّ أصيل يقطع المسافات كما كانت القوافل تقطع الصحاري، لا ليبيع، بل ليُهدي. ما أعجب أن يتحوّل الاتصال إلى حدث، وأن يتحوّل المرور إلى موقف، وأن تتحوّل المائدة إلى سيرة!

منذ اللحظة الأولى شعرت أن هذا الاتصال ليس عاديًا. لم يكن “سلامًا ومرورًا”، بل كان امتدادًا لسلسلةٍ لا تنقطع، بدأت في بيوت الطين على ضفاف النيل، في محافظة بني سويف، حيث كان الأجداد إذا قالوا “نمرّ عليكم” فهم يقصدون أن يحملوا معهم رزقًا، وقلوبًا، وحكايات. أحسست أن نادي لا يتصل وحده، كان معه ظلّ الجد راغب، وهيبة الشيخ طه، والجدتين – رحمهم الله – يسيرون خلف صوته، يوصونه: “لا تمرّ على أهلِك بيدٍ فارغة… فالمودة تُطعَم كما تُقال.” قال حكيمٌ من صعيد مصر: “الكرم ليس أن تعطي حين يُطلب منك، بل أن تحمل قبل أن يُقال لك تعال.” ولعلّ هذا ما فعله نادي دون أن يدري.

وما هي إلا عشرة دقائق حتى وقفت السيارة، لا كسيارةٍ عادية، بل كمركبٍ صغيرٍ يحمل رسالة. نزل نادي ويوسف عريس جنة وكأن الاسمين ليسا مجرد لقبين، بل حالة عائلية كاملة: أبوةٌ وأمومةٌ متنقلة، بيتٌ يسير على أربع عجلات.  فُتح الباب، فانفتحت معه رائحة بني سويف. شوربة لحم بلسان العصفور… صينية أرز أبيض تتلألأ كبياض النوايا… صينية محشي عنب، أوراقها ملفوفة كما تُلفّ الأسرار الجميلة… إناء كباب الحلة، تتصاعد منه رائحة العِشرة… وإناء بسلة خضراء باللحم، كأنها بساطة الأرض حين تُثمر. لم تكن أطباقًا، كانت شواهد.
لم تكن وجبات؛ كانت شجرة نسبٍ كاملة.

جلست أتأمل المشهد، وأنا أستعيد معنى “المائدة المتنقلة”. المائدة في عرفنا لا تُنقل إلا لسببين: إما ضيق المكان… وإما سعة القلب. وهنا لم يكن المكان ضيقًا، بل كان القلب هو الواسع. فصدق القائل: “حين يضع الإنسان الطعام أمامك، فهو يضع جزءًا من عمره، لأن الطعام ساعاتٌ من تعب، وساعاتٌ من نية.” تخيلت الغالية أم جنة وهي تُعدّ المحشي، تلفّ الورقة تلو الورقة، لا بعددها، بل بدعواتها. وتخيلت أبا جنة يختار اللحم، كأنما ينتقي كلماتٍ سيقولها دون أن يتكلم.

وتخيلتُ الحبيبةَ خديجة… تدور حول أمِّها كما يدور القمرُ في فلكِ نوره، لا لأن أحدًا أمرها، بل لأن قلبها اختار أن يكون قريبًا. كانت تلتقط الطلب قبل أن يُقال، وتقرأ في عيني أمِّها ما لم تنطقه الشفاه. تمدُّ يدها الصغيرة بثقةٍ كبيرة، تُحضِر الطبق، تُناوِل الملعقة، تُرتِّب المائدة، وكأنها تشارك في صناعة ذكرى، لا في إعداد طعام.

لم تكن تتحرّك بخفة الجسد فقط، بل بخفة الروح الممتنّة… كأنها تقول في صمتها: “يا أمي، دعيني أكون جزءًا من هذا الخير، دعيني أتعلم كيف تُصنع المحبة باليدين.” وكلما نظرت إليها أمُّها، رأت فيها امتدادها الجميل، ورأت في عينيها شكرًا لا يُقال، وسعادةً لا تحتاج تصفيقًا. كانت خديجة تبتسم وهي تقطّع، وتضحك وهي ترتّب، وتشعر – في أعماقها – سعادةٍ صافية، حين تتحوّل الخدمة إلى شرف، والعطاء إلى امتنان، والقرب إلى طمأنينةٍ تُربّي فينا إنسانًا أجمل. ثم تخيلت نادي، وهو يعلم أنه مسافر للترم الأخير، يتهيأ لمرحلة جديدة من عمره، ومع ذلك لم يشغله مستقبله عن أن يمرّ محمّلًا بالماضي الجميل.

رمضان له أسرار. في نهاره جوعٌ يصفّي الروح، وفي ليله مائدةٌ تكشف المعادن. ولعل أجمل ما في هذا المساء أنه جاء بعد صلاة التراويح، تلك اللحظة التي يخرج فيها الناس بقلوبٍ لينة، مستعدة لأن تستقبل الخير. الاتصال بعد التراويح ليس كالاتصال في أي وقت. فيه بقية دمعةٍ من دعاء، وفيه خشوعٌ لم يبرد بعد، وفيه استعدادٌ لأن يتحوّل العادي إلى غير عادي. ولذلك شعرت أن نادي لم يتصل ليقول “أنا مارّ”، بل ليقول دون أن يصرّح: “أنا أحمل العهد.”

جلست أفطر، وأنا أرى في كل طبقٍ قصة. شوربة لسان العصفور… قال عنها أحد الحكماء: “الشوربة أول الكلام… إن كانت طيبة، طاب المجلس.” كانت كذلك؛ دافئة، صادقة، بلا تكلّف. الأرز الأبيض… لا بهارات صاخبة، ولا ألوان مبالغ فيها. بياضه يشبه نية القادم. المحشي… ورق العنب حين يُلفّ، يحتاج صبرًا. والصبر – كما قال أحد العارفين: “هو الكرم حين يختبره الوقت.” أما كباب الحلة… فهو طبق المجالس. لا يُطهى إلا في بيتٍ يريد أن يُشبع قبل أن يُطعم. والبسلة الخضراء باللحم… تذكيرٌ بأن الخضرة لا تُفارق من تربّى على الأرض. لم يكن في الأمر مبالغة، ولا استعراض. كان شيئًا نقيًا. وهنا تذكرت مقولة: “الكرم الحقيقي لا يصوّر نفسه… يكفيه أن يُؤكل.” وهذا ما حدث. لم يكن هناك ضجيج، ولا كلمات كبيرة، ولا خطابات. فقط طعام، وضحكات، وامتنانٌ صامت.

يا لهذا الشعور الذي اجتاحني من مجرد اتصال! كيف يمكن لصوتٍ في الهاتف أن يوقظ فيك كل هذا الحنين؟ أدركت أن المسألة لم تكن في الأطباق، بل في الدافع. أن يتصل بك شابٌ على أبواب سفره، يفكر في دراسته، ومستقبله، ومرحلته الجديدة، ثم يصرّ أن يمرّ عليك محمّلًا بكرم الأجداد… هذا ليس تصرفًا عابرًا. هذا تربية. الجد راغب – رحمه الله – كان يقول: “من خرج من بيته ليطلب علمًا، فليحمل معه شيئًا من بيته، حتى لا ينسى من أين بدأ.” والشيخ طه – رحمة الله عليه – كان يردد: ” الغنى ليس فيما تملك، بل فيما تحمله معك إلى الناس.” في تلك الليلة، حمل نادي أكثر مما ظن. حمل تاريخًا، وحمل وصية، وحمل دفئًا.

تأملتُ معنى “المائدة المتنقلة” مرة أخرى. نحن في زمنٍ أصبحت فيه المائدة تُطلب عبر تطبيق، وتُدفع قيمتها إلكترونيًا، وتُسلّم بلا روح. أما هنا، فالمائدة جاءت بأقدامها، بقلوبها، بأنفاسها. جاءت لتقول: “ما زال في الناس خير.” جاءت لتؤكد أن بني سويف ليست مجرد محافظة في صعيد مصر، بل مدرسة كرمٍ عابر للحدود. وأن الدوحة – رغم حداثتها وتسارعها – ما زالت تتسع لقلوبٍ تحمل قراها معها. أدركت أن هذه اللحظة ليست حدثًا صغيرًا في يومٍ رمضاني. هي درس. درسٌ في الوفاء. درسٌ في الامتداد. درسٌ في أن الإنسان لا يُقاس بشهادته فقط، بل بما يحمله معه وهو يودّع مرحلةً من عمره.

الفصل الدراسي الأخير في الجامعة ليس مجرد فصل دراسي، هو عتبة انتقال. ومن الجميل أن يقف الإنسان على العتبة وهو يُكرم. قال أحد الحكماء: “إذا أردت أن تعرف معدن شاب، فانظر ماذا يفعل وهو على أبواب مستقبله.” ونادي – دون خطبة، ودون إعلان – أجاب بالفعل.

في تلك الليلة، شعرت أن المائدة لم تكن متحركة فحسب، كانت مُحرِّكة. حرّكت فيّ معاني قديمة. حرّكت دعوات للأجداد. حرّكت يقينًا بأن الخير لا ينقطع ما دام في البيوت أمهات مثل أم جنة، وآباء مثل أبي جنة، وأبناء مثل نادي. لم يكن الطعام هو الذي أشبعنا. كان الشعور. شعور أنك لست وحدك. أن هناك من يفكر فيك وهو على أبواب سفره. أن هناك من يرى في المرور عليك واجبًا لا مجاملة.

حين انتهى المجلس، وبقي أثر الرائحة في المكان، شعرت أن الليلة كُتبت في سجلٍ خاص. ليست كل الليالي تُكتب. بعضها يمرّ… وبعضها يبقى. وهذه بقيت. بقيت لأن اتصالًا بعد التراويح تحوّل إلى سيرة. ولأن مائدة بني سويفية تحوّلت إلى رسالة. ولأن شابًا في طريقه إلى الفصل الأخير، اختار أن يبدأ مرحلته الجديدة بعملٍ صغيرٍ في ظاهره، عظيمٍ في معناه.

يا نادي… يا من حملت معك أرزًا ومحشيًا وكبابًا، وحملت قبلها قلبًا كبيرًا… ليكن سفرك امتدادًا لهذه الليلة. ولتكن دراستك شاهدةً على أنك خرجت من بيتٍ يعرف أن الكرم ليس عادة، بل هوية. وليرحم الله راغب والشيخ طه، فقد تركا خلفهما نسلًا لا يمرّ مرورًا عاديًا، ولا يتصل اتصالًا عابرًا. في 7 رمضان 1447، في الدوحة، لم تكن هناك مجرد مائدة متنقلة. كان هناك تاريخٌ يتحرك، ووفاءٌ يُطبخ على نار هادئة، ومحبةٌ تُقدَّم ساخنة كما ينبغي أن تُقدَّم. وهكذا تعلّمت من تلك الليلة درسًا لن يُنسى: أن بعض الاتصالات… قدر. وأن بعض المائدات… نسب. وأن بعض الشباب… حين يسافرون، يتركون خلفهم ما يجعلنا نؤمن أن الخير باقٍ ما بقيت القلوب حيّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top