بيت البركات… حين انتقل دفء كفر الشيخ إلى قلب الدوحة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

في الدوحةحيث تمتزج المآذن بزجاج الأبراج، وحيث يسير البحر بمحاذاة الرمل في صلحٍ أبديّ، كانت هناك دعوة لا تُشبه سواها. دعوة هاتفية من العزيز السيد بركات- أبو بركات – لم تكن مكالمة عابرة، بل كانت نداء قلبٍ إلى قلب. حاولتُ الاعتذار، فالمواعيد تتزاحم، والالتزامات لا ترحم، لكنه كان إصرارًا دافئًا لا يُقاوَم. قالها ببساطته المصرية الصافية: “غدًا بإذن الله… تنتظرُك المائدة.” كان الموعد الأربعاء، الثامن من رمضان 1447هـ، الموافق 25 فبراير 2026 بمجمع الفرات بالدوحة- قطر.

مع أذان المغرب، بدأت الحكاية.

جلسنا حول طبق التمر، وكان أول ما يلامس الفم تمرٌ مجدول كأنه اختزن شمس الصحراء، وإلى جواره حليبٌ بارد يعيد ترتيب الجسد بعد صومٍ طويل. لكن المفاجأة لم تكن في التمر وحده، كان هناك برقوقٌ وموزٌ وتين، وطبق فاكهةٍ مشكّلٍ كأنه بستانٌ صغير انتُزع من أرضٍ بعيدة وزُرع في قلب مجلسٍ قطريّ. شعرتُ أن كفر الشيخ لم تغادر أهلها حين انتقلوا إلى الدوحة، بل سافرت معهم روحًا، واستقرت في تفاصيل البيت، في ترتيب الصحون، في نبرة الترحيب، في دفء النظرة.

أفطرنا على هدوءٍ يشبه همس الدعاء. ثم قمنا لصلاة المغرب. كان المشهد مختلفًا، ليس لأن الآيات جديدة، بل لأن القلوب كانت جديدة في تلقّيها. تلا الإمام أواخر سورة البقرة، حيث تمتدّ آيات الدعاء كجسرٍ بين العبد وربه، ثم أواخر آل عمران، تلك الآيات التي نحفظها ونسمعها كثيرًا، لكنها في بيوت السكينة تُولد من جديد، كم سمعناها، وكم قرأناها، لكنها في ذلك المجلس كانت نداءً حيًّا، لا تلاوة معتادة. كأن رمضان هناك يعيد للآيات طزاجتها الأولى، وكأن البيوت التي تُبنى على الطمأنينة تجعل القرآن ضيفًا حاضرًا لا صوتًا عابرًا.

عدنا إلى المائدة الثانية… وهنا يبدأ الوصف بالعجز.

طواجن من طينٍ معتّق، كأنها خرجت لتوّها من أفران الريف. بطٌّ محمّر، ودجاجٌ بلون الشمس عند الغروب، ولحم وكفتةٌ تستقرّ فوق شعريةٍ محمّرةٍ بعناية، كأن تحتها سرًّا صغيرًا من أسرار المطبخ المصري العتيق. كانت الرائحة وحدها قصيدة. كل صنفٍ يُعلن أنه صُنع بحب، لا بواجب.
شيءٌ مدهش… بيوت العز لا تُعرّف بكثرة الطعام، بل بحضوره المتقن، بلمسة اليد التي تُحسن قبل أن تُكثر.

شوربة لسان العصفور مع الليمون جاءت دافئةً كتحية أمٍّ لضيفٍ عزيز. وطاجن كباب الحلة يُذكّرك أن اللحم حين يُطهى على مهلٍ يصير ذاكرة. وأطباق الأرز الأبيض مرصوصة بهندسةٍ تليق بعرسٍ صغير، لا بوجبة عادية. الجرجير والخس، أطباق سلطة كأنها بستان خضروات مصغّر، والمخلل المصري بنكهته التي لا تخطئها الروح قبل اللسان.

وهناك… الجبنة القديمة، المش المصري العتيق، التي لا تُؤكل فقط، بل تُستعاد معها حكايات السنين. الرقاق باللحم المفروم، بطبقٍ يقول إن الأصالة لا تموت. وخبزٌ صنعته أم بركات بيديها، خبزٌ ليس كأي خبز، فيه رائحة البيت، وفيه دفء المطبخ، وفيه أثر امرأةٍ تعرف أن الطهو رسالة. وإلى جانبه خبزٌ سوداني، في مشهدٍ يُجسّد كيف تلتقي الأوطان في مجلسٍ واحد، بلا حدود.

كنت أراقب التفاصيل. الضحكة الصافية. السؤال الصادق: “كُل يا أستاذ… زوّد.” النظرة التي تسبق الطلب. هكذا هي البيوت التي انتقلت من كفر الشيخ إلى الدوحة، لم تترك خلفها تربتها، بل حملتها في القلوب. لم تتغير الروح، بل اتسع المكان.

ثم جاءت المائدة الثالثة… كأن الكرم لا يعرف ختامًا. شايٌ مصريٌّ ، وشاي كرك بنكهته الخليجية، وفاكهةٌ تعود لتعلن أن المجلس لم يقل كلمته الأخيرة بعد. جلسنا نتبادل الحديث، لا عن الطعام، بل عن المعاني. عن الغربة التي لا تُشعرنا بالغربة حين يكون البيت بيت بركات. عن رمضان الذي يُزهر في البيوت المطمئنة أكثر مما يزهر في الشوارع.

في تلك الليلة، أدركتُ أن بعض الدعوات ليست للطعام، بل للسكينة. أن بعض البيوت تُصلّي وهي تُطعم، وتدعو وهي تبتسم. وأن اسم “بركات” لم يكن لقبًا، بل كان حالًا.

يا أبا بركات… يا من أصررتَ أن يكون الغد موعدًا لا يُفوَّت، جزاك الله عنّا خير الجزاء. ما كان إصرارك إلا حرصَ قلبٍ على صلةٍ لا تنقطع. ويا أم بركات… يا سيدة التفاصيل الجميلة، يا من جعلتِ الخبز حكاية، والطاجن قصيدة، نسأل الله أن يبارك في يديكِ كما باركتِ في موائدنا.

اللهم يا واسع الفضل، بارك لأبي بركات وأم بركات وأهل بيتهما. اللهم اجعل بيتهم عامرًا بذكرك، موصولًا برحمتك، محفوفًا بملائكتك. اللهم كما أطعموا صائمين في شهرك الكريم، فأطعمهم من ثمار الجنة، واسقهم من حوض نبيك شربةً لا يظمأون بعدها أبدًا. اللهم أدم عليهم نعمة الاجتماع على الطاعة، ولا تُريهم في أهلهم سوءًا، واجعل السكينة رفيقة دارهم، والرضا سقف حياتهم، والبركة ظلّهم الدائم.

خرجتُ من مجمّعهم في الدوحة وأنا أحمل شيئًا أثقل من الطعام وأخفّ من الهواء… شعورًا بأن بعض البيوت تُذكّرك أن الدنيا بخير. وأن رمضان، حين يسكن القلوب، يُحوّل المائدة إلى عبادة، والدعوة إلى صلة، والبيت إلى جنةٍ صغيرة تمشي على الأرض.

1 فكرة عن “بيت البركات… حين انتقل دفء كفر الشيخ إلى قلب الدوحة”

  1. جزاكم الله خيراً استاذنا، البيت بيتك ولا تكتمل السعادة الا بالاحباب وانت وابو جنة اعز الاحباب وتشريفكم لنا تفضل منكم ، ما اتمناه ان تجعلنا دوماً من اهلك وتضفي علينا السكينة والبهجة بقدومكم الدائم والمستمر الذي لا ينقطع.
    يعجز اللسان والقلم عن شكركم وتقديركم
    ولا نستطيع التعبير الادبي عما بداخلنا مثلكم فاسمحوا لتا التقصير
    ما فعلنا الا الواجب بقدرنا، ولو نستطيع ان نقتطع جزء من السماء لفعلنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top