ميزان الخلود … 08 مارس 2011

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

ليست الذكرى تاريخًا يُستعاد… بل روحًا تُستَحضَر. في الثامن من مارس 2011 رحلتِ يا أمّي، لكن الرحيل كان من العيون لا من القلوب، ومن البيت لا من الذاكرة، ومن المائدة لا من الدعاء. خمسة عشر عامًا – أو يزيد – وما زال اسمك إذا ذُكر، انحنت له القلوب قبل الرؤوس. وما زال الجيران حين أكلّمهم يقولون بلهجةٍ يغلبها البكاء: “الله يرحمك يا ست أم محمد… لم تفارقينا.”

كنتِ يا أمّي مدرسةً بلا سبورة، وشريعةً بلا كتابٍ مفتوح، وحكمةً تمشي على قدمين. منذ طفولتي الأولى، كنتِ تضعين في يدي مفتاحين لا يغيبان: “لا تمد يدك لشيء إلا وسمِّ الله.” “ولا تنظر لشيء يعجبك إلا وقل: ما شاء الله.” كنتِ تعلمين أن البركة لا تُشترى، وأن العين إن لم تُقيّد بذكر الله، أحرقت صاحبها قبل غيره. علمتِنا أن الامتلاء ليس في اليد، بل في الرضا. وأن الغنى ليس في المال، بل في القلب الذي يعرف مَن أعطاه.

حبّ الناس لكِ لم يكن مجاملة، كان شهادة حياة. كان أبي – رحمه الله – يناديكِ مبتسمًا: “بنت العمدة”. لم يكن اللقب مدحًا اجتماعيًا، بل وصفًا لهيبة الكرم فيكِ. كنتِ تبتسمين للجميع، كأن البسمة عبادة، وكأنكِ تخافين أن يمرّ إنسانٌ من جوارك دون أن يأخذ نصيبه من النور.

أتذكّر ذلك اليوم… صحبةٌ جاءت من غربةٍ بعيدة تزورنا، ثم استأذنوا والدي بالمغادرة، وكانوا من محافظة أخرى، وأنتِ منشغلة في إعداد الغداء. حين علمتِ أنهم خرجوا، فزعتِ كأن الأمر كارثة. خرجتِ مسرعةً إلى باب البيت، رأيتِهم يبتعدون، فناديتِهم بعينين مغرورقتين: “يصح كده تيجوا من عند الغالي دون أن تتغدوا؟ كنت بجهز الغدا…” لم تكن الكلمات عتابًا، كانت حُبًا يخاف أن يُقصِّر. أي قلبٍ هذا الذي يرى في إطعام الناس حقًا لا منّة؟ أي روحٍ هذه التي تعتبر الضيف أمانة؟

كنت أقول لها أحيانًا، حين أشعر بالهم أو التقصير: “ارض عني يا أمي…” فكانت تبتسم بعينين مغرورقتين، ثم تقول: “ياه يا محمد يا إبني… شعر راس أمك راضي عليك.” وفي بيتنا… كان الكرم مدرسة لا تنتهي. المهنيون والحرفيون، كل من يأتيهم طلب صغير أو كبير، يجدون البسمة قبل الطعام والشراب، وكثير منهم كانوا يقولون: “لا نريد أجرًا، يكفينا كرم الحاجة.” فهذا البيت لم يكن بيتًا… بل محطة للكرم، مدرسة للعطاء، ومكانًا يُعلم الإنسان معنى الضيافة بلا شهرة.

ولم يكن الكرم ماديًا فقط… كانت توصيني دائمًا، بصوتها الرقيق الذي يأسر القلب: “يا محمد، اهتم بنظافة المسجد… كل أسبوع، صبيحة الجمعة.” حتى إن كنت مرهقًا، يأتي عامل المسجد إلى البيت يدعوني، فتأتي هي وتدفعني… لا لتستعرض، بل حتى لا أضيع فرصة أكرم العامل، وتقول بابتسامةٍ كأنها نورٌ يسري في القلب: “اوعى تروح هنا ولا هنا… صدقة ونور على روح أجدادك يا محمد.” هنا، في هذا المشهد الصغير، تتضح فلسفة حياتها… الكرم ليس فقط في الطعام، ولا في الملبس، ولا في المال… الكرم في القلب، في الحضور، في التذكير بالواجب… الكرم أن تحيا الروح لكل من حولك… وأن تجعل كل فعلٍ خيرًا، كل عملٍ عبادةً، كل ابتسامةٍ صدقةً… كما علمتنا، وكانت دائمًا حيّة فينا قبل أن تفارقنا.

في الأفراح، كنتِ أول الواصلين. تسافرين لتحضري احتياجات العرائس، وكأن كل عروس ابنتك. وفي الأحزان، كنتِ تسبقين العزاء إلى المطبخ، تطهِين لأهل الميت، وتقفين بجوارهم حتى يخفّ وجعهم. وفي الولادة، كنتِ ترافقين النساء إلى الأطباء، كأنكِ تحملين مسؤولية المجتمع كله في قلبك.

حبّ جدّي وجدّتي لكِ كان آيةً أخرى. كانا يدعوان لكِ بدعاءٍ طويل، وكأنهما يعلمان أنكِ كنز البيت. لم تكوني زوجةً فقط، ولا أمًا فقط، كنتِ عمود البيت، والسقف الذي يظلّل الجميع، والنافذة التي يدخل منها الضوء.

يا أمّي… في كل عام أكتب عنكِ، لكن هذا العام أشعر أن الكلمات لا تكفي، وأن العالم كله لو قرأ عنكِ، سيعرف أن العظمة لا تحتاج منبرًا، وأن القداسة قد تسكن مطبخًا، وأن البطولة قد تختبئ في مريلةٍ بيضاء. لو عُلِّقت هذه القصة في متحفٍ من متاحف الدنيا، لن يبكي الناس لأنكِ رحلتِ، بل لأنهم نادرًا ما رأوا هذا الصفاء. أنتِ لم تتركي لنا مالًا يُعدّ، لكن تركتِ ميراثًا يُعاش. لم تتركي أرصدةً في البنوك، لكن تركتِ أرصدةً في القلوب. وها نحن نعيش على ذكراكِ، لا بوصفها حنينًا موجعًا، بل بوصفها بوصلة. كلما هممتُ بشيءٍ،سمعتُ صوتكِ: “سمِّ الله…” وكلما أعجبني أمر، تذكّرتُ: “قل ما شاء الله.” رحلتِ في الثامن من مارس، لكنّكِ باقية في كل مارس، وفي كل يوم، وفي كل موقفٍ أختار فيه الخير لأنكِ علمتِني كيف يُختار.

اللهم يا واسع الرحمة، ارحم أمي رحمةً تطمئن بها روحها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واغسلها بالماء والثلج والبرد، واجمعني بها في جناتك غير خزايا ولا مفتونين. اللهم كما كانت باب خيرٍ للناس، فافتح لها أبواب الخير في قبرها، وكما أطعمت عبادك، فأطعمها من ثمار الجنة، وكما سترت الناس بحبها، فاسترها بسترك الجميل.

اللهم ارحم أمهات المسلمين الأحياء منهن والأموات، احفظ الأحياء بركةً في بيوتهن، وارفع درجات الراحلات نورًا في قبورهن، واجعلنا بررةً بهن في حياتهن وبعد مماتهن. يا رب… إن كانت البركة تُورث، فاجعل لنا من بركة أمّي نصيبًا. وإن كان الحب يُدَّخر، فادّخر لها من حبنا ما يضيء وحدتها. رحمكِ الله يا “ست أم محمد” … لم تفارقنا. بل صرتِ فينا… قيمًا تمشي، ودعاءً لا ينقطع، وقصةً إن قرأها العالم… لوقف احترامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top